الرئيسية التاريخ الإسلامي لماذا تراجعت الإنجازات في آخر أيام الخلافة؟
لماذا تراجعت الإنجازات في آخر أيام الخلافة؟

لماذا تراجعت الإنجازات في آخر أيام الخلافة؟

509
0

العثماني إنسان وليس سوبرمان

عندما نقرأ التاريخ العثماني يحمله الكثيرون مسئوليات فوق طاقة البشر وكأن العثماني هو سوبرمان لا يقبل منه الإخفاق أو الضعف أو الانحدار مثل كل البشر، ولكن يجب أن نتذكر أن الدولة العثمانية كبقية الدول لها زمن قوة يتبعه زمن ضعف ثم موت، لم يشذ عن هذه القاعدة أية دولة مهما بلغت من القوة، والدولة العثمانية تعد “من أعظم الإمبراطوريات في التاريخ وأكبرها وأطولها عمرا” كما يقول المؤرخ دونالد كواترت في كتابه الدولة العثمانية، فلماذا تطالب بعد هذا العمر الطويل الذي قضت معظمه في القوة والعظمة أن تبقى خالدة إلى الأبد لا يطرأ عليها سنن البشر؟
ولكن هذه المطالب  لا تعني أنها ستكون مستثناة من سنن التاريخ، فعند قراءة التاريخ في آخر أيام الخلافة يجب أن نتذكر دائماً أننا في زمن دولة كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، وهذا أمر طبيعي بعد الزمن الطويل الذي عاشته، ومن ثم فإن مظاهر الضعف فيها ستكون طبيعية لاسيما بوجود الطمع من كل الدول الكبرى بأراضيها وموارها، ما هو استثنائي وغير طبيعي في حالة الضعف هذه أن تقوم الدولة الضعيفة بمقاومة تمدد الرأسمالية الغربية وفقاً لإمكاناتها المتاحة، وقد كتبت كتاب السلطان والمنزل لتوثيق هذه المظاهر التي تؤكد أن الدولة مع ضعفها لم تكن مستسلمة، ولهذا حرص الغربيون على إنهائها والقدوم بجيوشهم إلى المنطقة، ثم سلموا دولة التجزئة مقاليد الأمور باحتفالات كرنفالية لا تدل على أن هذه الدولة هي الآلية التي تركوها فعلاً لتقوم مقامهم بعد رحيل جيوشهم.

 

واجه العثمانيون معضلة هرمهم في زمن فتوة الأعداء بصبر وصمود:

 

المشكلة التي واجهت الدولة العثمانية هي أنها دخلت عصر ضعفها في الوقت الذي شهد صعود أوروبا، وهذا أيضا من سنن التاريخ، إذ أن جميع عصوره كانت تحتوي جميع المستويات الحضارية، فهناك دائما دول في المقدمة ودول من الدرجة الثانية ودول متخلفة، لم يكن التاريخ يوما يحتوي جميع البشر بنفس المستوى الحضاري وذلك مثل أعمار الناس في أي مكان:هناك الكبير والصغير والطفل والكهل والقوي والمتوسط والضعيف والعاجز والميت أيضا، ورغم أن العثمانيين واجهوا صعود أوروبا بعدما ضعفت إمكاناتهم، وكان هذا من سوء حظهم، فإنهم لم يستسلموا وظلوا يدافعون عن حماهم حتى اللحظة الأخيرة التي دخلوا فيها الحرب الكبرى 1914 لأنهم أرادوا أن يقفوا مرة ثانية على مستوى بقية الدول العظمى ويستردوا ما احتلته هذه الدول من أراضيهم ويتخلصوا من المعاهدات التي كبلت استقلالهم كالامتيازات الأجنبية، ورغم ذلك فقد تعرضت الدولة العثمانية للهجوم غير التاريخي الذي حملها مسئولية دخول الاستعمار للبلاد التي تحكمها، فقيل مثلاً لماذا سلمت الجزائر؟ ولكن يكفي الدولة العثمانية دفاعها المستميت عنها حتى اللحظة الأخيرة وسقوط عشرة آلاف شهيد عثماني في معركة خاسرة كما يذكر المؤرخ السوفييتي فلاديمير لوتسكي، ثم لماذا احتلت بريطانيا مصر؟ ويكفي أن الدولة لم تقبل المشاركة في مشروع الاحتلال البريطاني والدخول في ظله حتى ولو بعنوان استعادة السيطرة العثمانية، وذلك على عكس دول التجزئة التي سارت في ركاب القوات الاستعمارية لضرب إخوتها وجيرانها، ويكفي العثمانيين دعمهم للاتجاه الوطني في مصر والمقاوم للاحتلال بكل الإمكانات الممكنة، كما لم تعترف الدولة بكل التغييرات التي أحدثها الاحتلال الأوروبي في كل أراضيها إلى أن جاء الحكم الكمالي وقدمها على طبق من ذهب للأوروبيين نظير استقلال الأناضول بما لا يتعارض مع خطط الحلفاء، وننسى صمود العثمانيين الأسطوري في وجه روسيا كما حدث في ملحمة بلافنا 1877 وانتصارهم على اليونان 1897، ثم نتساءل متسقطين الثغرات في زمنها الطبيعي: لماذا هزمت الدولة في الحرب الكبرى؟ ولكن رغم قلة الإمكانات والضعف فقد باشرت الدولة العثمانية بالفعل بمحاولة استرداد ما احتله الأوروبيون من بلادها في مصر وشمال إفريقيا، وتمكنت الدولة من تحقيق انتصارات مهمة في تلك الحرب في جبهات عديدة كالقوقاز وفلسطين والعراق والجزيرة العربية والبلقان وإسطنبول، ولكن الانتصار في معارك لا يعني الانتصار في الحرب لاسيما أمام غيلان أوروبا التي تعيش في أوج قوتها، المهم أن الدولة العثمانية أثبتت أنها ليست لقمة سائغة رغم الضعف والتراجع والفتن الداخلية التي استعانت بالإنجليز والفرنسيين “لتحرير” العرب وطعنت الدولة في ظهرها رغم معرفة الثوار باتفاقية سايكس بيكو لاقتسام أراضي العرب وذلك لأن الثورة البلشفية نشرت وثائق الحلفاء سنة 1917 فحاولت الدولة العثمانية التفاهم مع العرب ولكن خداع بريطانيا صرف قادة الثورة العربية عن ذلك، وكانت هزيمة العثمانيين طبيعية جداً نظراً لموازين القوى آنذاك والتي تجعل المراقب يعجب من صمود الدولة العثمانية إلى القرن العشرين أمام قوة أوروبا الماحقة وليس من تراجعها،وهذا ما أكده الزعيم المصري مصطفى كامل في كتابه المسألة الشرقية والمؤرخ نيكولاس دومانيس في كتاب The Age of Empires الذي حرره روبرت ألدريتش.

اقرأ أيضا: إنجازات آخر أيام الخلافة في تقويم الشعب والمؤرخين

معضلة غياب البديل جعلت البعض يحمّلون العثمانيين مسئوليات غير طبيعية: 

 

كما يجب أن نتذكر أن حال بلادنا كان خالياً من قوة صاعدة تتسلم زمام الأمور من العثمانيين بعد ضعفهم، وكل القوى البديلة كانت أوروبا هي التي تحركها، على عكس ما حدث في تاريخنا الإسلامي عندما تسلم العباسيون الراية من الأمويين بعدما ضعفت الدولة الأموية ثم حملها العثمانيون بعد زوال الدولة العباسية، وقد كان حال الضعف شاملاً في جميع ديار الإسلام بل في كل العالم غير الأوروبي وليس في الدولة العثمانية وحدها، ولم يكن هناك بديل قوي يتسلم الزمام من المغول في الهند ولا من القاجار في إيران ولا من العثمانيين في المشرق العربي الإسلامي، فوقع الجميع تحت الهيمنة الأوروبية ولا يمكننا أن نفرد طرفاً بالملامة وحده لأنه ليس من المنطقي أن نُحمّل كبير السن تبعات تلوم ضعفه الطبيعي.

 

الخلاصة : من هو الملوم الذي لم يؤد واجبه؟

والخلاصة أن العثمانيين أدوا دورهم كأحسن ما يكون وانتصروا قروناً ومنح دخولهم حيوية للعالم الإسلامي كما يقول المؤرخ زاكري كارابل في كتابه أهل الكتاب، ودافعوا عنه بحماس زمناً طويلاً يجب ألا نهمله وألا نهمل إنجازاتهم الدفاعية والهجومية الهامة لمدة قرون فيه، فلما حل بهم الضعف مثل كل البشر بعد ذلك دافعوا دفاع الأبطال وكانت معظم الهزائم التي أخذت عليهم قد وقعت في قرنهم الأخير بدءاً من استيلاء الروس على القرم ثم الحملة الفرنسية على مصر وما تلاها، ومع ذلك كانت تلك الهزائم  أشرف من الانتصارات الوهمية لدولة التجزئة لما احتوته من صمود أسطوري عجزت عنه دول التجزئة حتى في انتصاراتها المزعومة ، ثم مات العثمانيون واقفين دون أن يكون هناك خلف صالح لهم أو لغيرهم في كل بلاد الإسلام، ولا يمكننا بعد ذلك أن نطلب من مقاعدنا الوثيرة أن يظل العثمانيون بقوتهم من الأزل إلى الأبد في نفس المستوى وألا يطرأ عليهم الضعف والموت كبقية البشر وأن نلومهم بسبب هزيمتهم ونحن نعلم ألا عار على الفتى بالموت إذا جاهد محقاً وغالب مجرماً، فالأولى بالملامة هم الذين تولى زمام الأمور بعد رحيل العثمانيين ولم يتمكنوا لمدة قرن من إنجاز شيء سوى الانبطاح للغرب والهزيمة أمامه والاستسلام لإرادته وإضاعة الموارد في طاعة أوامره دون أن يتمكنوا من الاستقلال الحقيقي بإطعام أنفسهم أو الدفاع عن حدودهم أو كفاية حاجاتهم وظلوا معتمدين على المدد الاستعماري لإنجاز كل ذلك.

 

509

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

محمد شعبان صوان باحث وكاتب من فلسطين.
مشاركة