الرئيسية تقارير كل ما تحتاج معرفته عن حراك الريف المغربي
كل ما تحتاج معرفته عن حراك الريف المغربي

كل ما تحتاج معرفته عن حراك الريف المغربي

867
1

اندلعت سلسلة من الاحتجاجات في ريف المغرب منذ 28 أكتوبر الماضي بعد قيام قوّات الأمن المغربية بـ «طحن» بائع سمك يُدعى محسن فكري. محسن كان يبيع السمك بعربته بشكل اعتيادي إلى أن جاءت قوّات الشرطة وصادرت محتواها بحجّة أنّها من نوع أسماك لا يجوز اصطياده وبيعه، اعترض محسن على قيام الشرطة بتلك المصادرة وذهب ليجلس داخل حاوية القمامة التي كانت الشرطة ستستخدمها لطحن بضاعة السمك الذي كان عنده. لم تبالي الشرطة وشغّلت آلة الطحن ومحسن في داخلها مما أدّى إلى وفاته على الفور.

من حينها، اشتعلت عدّة احتجاجات في عدّة مدن مغربية أبرزها الحسيمة، وهي تُعدّ حاضنة الريف المغربي الكبرى. الحسيمة وغيرها من المدن التي تنشط بها الاحتجاجات اليوم كانت تاريخيًا من المدن والبلدات التي آوت وآزرت المجاهد عبد الكريم الخطابي بين 1920-1926 عندما قاوم الاستعمارين الإسباني والفرنسي. طبيعة أهل تلك المدن لها تأثير واضح على الحراك اليوم.

اقرأ أيضًا: الخطابي أسطورة المغرب وأعظم أساتذته العسكريين في حروب العصابات.

تاريخ الريف المغربي ومقاومته للاستعمار

عقدت فرنسا وإسبانيا اتفاقيةً عام 1904 لتقسيم الريف المغربي بينهما، فبقيت القوّات الإسبانية والفرنسية متواجدة بكثافة في المغرب وحاولت التوسّع كلّ فترة لضمّ أراضٍ جديدة. في البداية لم يستطع المغاربة القيام بأي مقاومة تذكر لعدم تنظيمهم أو توافر السلّاح، إلّا أنّ المقاومة الفعلية بدأت على يد “أحمد الريسوني” الذي حمل راية المقاومة في المدن الجبلية من المغرب عام 1911. عام 1920 احتل الإسبان مدينة أشاون، وهي واحدة من أهم المدن في منطقة الجبالة.

الثورة الثانية بدأت على يد المجاهد عبد الكريم الخطابي عام 1920 والتي تركّزت في الريف، وقد كان زعيم قبيلة تدعى “بني ورياغل”. قاد حوالي 3000 جندي متطوّع من أهالي الريف ليواجهوا القوّات الإسبانية التي كانت بتعداد 24000 جندي عام 1921 في منطقة أنوال. انهزمت القوّات الإسبانية وقُتل 15000 جندي من قوّاتها بينما خسر المغاربة 1000 شهيد فقط. انتحر بعدها قائد الجيش الإسباني سلفستر لفداحة هزيمته. وفق معايير الحروب آنذاك كانت هذه المعركة هزيمة مدوية سُمع صداها بشدّة.

اقرأ أيضًا: معركة أنوال الشهيرة وكيف عاد الإسلام ليفتح أوروبا؟

بعد هذه الهزيمة، أعلن الخطابي عن قيام جمهورية الريف عام 1921 والتي ضمّت عدة مدن بينها الحسيمة واتخذت مدير أكادير عاصمةً لها. كانت جمهورية متكاملة؛ بدستور وبرلمان وقوانين ومؤسسات. قيام هذه الجمهورية كان يعتبر انفصالًا عن المغرب الذي كان سلطانه يدعم الفرنسيين والإسبان آنذاك وغارقًا في اللهو واللعب.

بعدها، بدأت القوات الإسبانية بحشد المزيد من الجنود في المغرب حتّى وصل تعدادهم إلى 150 ألف جندي. انسحبت القوّات الإسبانية من المدن الداخلية ورجعت إلى المدن الساحلية، قُتل منها 20000 جندي خلال عمليات الانسحاب التي استمرّت ستة أشهر. ضمّ الخطابي بقيّة مناطق الريف والجبالة إليه، واعتقل الريسوني وسجنه بتهمة التعاون مع الاحتلال، فصار إليه أمر الريف بالكامل عام 1925.

في النهاية أعلنت فرنسا وإسبانيا تعاونًا مشتركًا بالإضافة لجلب قوّات إفريقية مرتزقة لاحتلال جمهورية الريف. هجمت القوّات الفرنسية والإسبانية مجتمعةً على مدن الريف من كافّة الجهّات سويةً واستعملت الأسلحة الكيماوية. شهرًا وراء شهر سقطت مدن الريف الواحدة تلو الأخرى، حتى اضطر الخطابي إلى الاستسلام عام 1926، فتمّ نفيه لاحقًا إلى جزيرة نيونيون النائية في المحيط الهادي. وانتهى حراك الريف.

الريف المغربي بعد الاستقلال

عودة محمد الخامس من المنفى إلى البلاد بعد استقلال المغرب
عودة محمد الخامس من المنفى إلى البلاد بعد استقلال المغرب

ثورة الريف عام 1957-1959

عاشت مدن الريف أوضاعًا صعبة حتّى بعد استقلال المغرب عام 1956. البنية التحتية في تلك المدن ظلّت متخلّفة جدًا، هاجر الملايين من أبناء الريف بسببها إلى دول أوروبا وغيرها طلبًا للجوء. لم يتم تعيين أيّ ريفي بعد الاستقلال في الحكومة أو أحد المراكز الإدارية في الدولة، حتّى الموظفون العاديون الذين كانوا يقومون على تسيير شؤون الريف الإدارية والخدمية والأمنية، كانوا من خارجه. كان أيضًا هناك نقص واضح في المستشفيات والجامعات والمدارس في مدن الريف مقارنةً بالمدن المغربية الأخرى.

هذه الأوضاع أدّت إلى انفجار مظاهرات في جميع مدن الريف عام 1957-1959 بقيادة محمد الحاج سلام. كانت هذه المظاهرات سلميّة وذو طابع اجتماعي خالص، مجرّد مطالب بتحسين البنية التحتية، بناء المدارس، جلاء القوّات الأجنبية عن المغرب، تعيين أبناء الريف لتسيير شؤونه، المطالبة بعودة عبد الكريم الخطابي واستقباله من مصر إلى المغرب وعدد من المطالب الشبيهة الأخرى. قام إضراب مدني وعصيان سلمي من طرف الريفيين ورفضوا التعامل مع أي من مؤسسات وأجهزة الدولة الحالية إلى حين تحقيق مطالبهم.

موقف الدولة المغربية الرسمي بقيادة محمد الخامس جاء صادمًا: 48 ساعة مهلة لأهالي الريف ليعودوا إلى بيوتهم وإلّا يبدأ الإنزال العسكري بقيادة ولي العهد الحسن الثاني. رفض أهالي الحراك العودة وقرروا البقاء معتصمين.

بعد انتهاء المدّة، تحرّك الجيش المغربي على رأس 20000 جندي ليقتحم مدن الريف، بدأ الطيران الحربي مستعينًا بالطائرات الفرنسية (يقودها فرنسيون!) بقصف عشوائي بقنابل النابالم على مدن الريف لمدّة 10 أيام متواصلة دون انقطاع، قُتل المئات وحصلت حالات اغتصاب للنساء، اعتُقل أكثر من 8500 شخص أطلق سراح 5000 منهم فقط، هُجّر قصرًا عشرات الآلاف. لاحقًا انتهى الاعتصام بالقوّة وأُجبر السكّان على العودة إلى بيوتهم والقبول بالأمر الواقع.

الثورة ضد الحسن الثاني عام 1984

إلّا أنّ الأمور تفجّرت مرّة أخرى عام 1984 حيث وصلت أوضاع المغرب إلى القاع، بلغت الديون الخارجية 7 مليار دولار (وهو مبلغ كبير وقتها) وارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني. خرجت تظاهرات ضد الحسن الثاني الذي كان صار ملك المغرب آنذاك. إلّا أنّ هذا الأخير أعاد القيام بتهديداته كما فعل في 1957 ووصف المتظاهرين “بالأوباش”:

نزل الجيش مرّة أخرى وفضّ جموع المتظاهرين، سقط أكثر من 16 قتيلًا واعتقل المئات وعادت حالات الاغتصاب إلى حديث الناس. الجدير بالذكر هو أنّه وعلى الرغم من كون انتفاضة الـ 1984 انتفاضة شعبية في عموم المغرب، إلّا أنّ القوّة المفرطة والإنزال الجوي لم يحصل سوى في مدن الريف على عكس بقية المدن المغربية.

جرعات الظلم والقتل والسحل والاغتصاب والقصف والتهميش المستمر الذي تعرّض له الريف المغربي منذ استسلام الخطابي عام 1926 ما تزال محفورةً في ذاكرة الريف. الريف الذي قدّم الكثير لاستقلال المغرب ما يزال مهمّشًا إلى اليوم.

حراك الريف اليوم

محسن فكري كان شابًّا فقيرًا بالثلاثينيات من عمره، اقترض مبلغًا من المال ليشتري ما يلزم من معدّات صيد وغيرها ليبيع سمكًا اصطاده. إلّا أنّ السمك الذي اصطاده كان على ما يبدو من نوعٍ ممنوع اصطياده وبيعه في المغرب. قوّات الأمن صادرت السمك وأمر بوضعه في شاحنة قمامة لإتلافه. فكري قفز إلى الشاحنة ورفض التخلّي عن سمكه، إلّا أنّ قوّات الأمن لم تبالي به وتابعت عملية طحن السمك رغم أنّ فكري ما يزال داخل الشاحنة، أحد قوّات الأمن قال: “طحن مو” والتي تعني “اطحن أمّه” لعامل الشاحنة. مما أدّى إلى وفاة فكري على الفور.

بعد الحادثة اندلعت احتجاجات في أكثر من 20 مدينة مغربية تضامنًا مع الشاب المقتول. انتشر هاشتاج #طحن_مو على مواقع التواصل وبدأت صفحات الفيسبوك بتبنّي القضية ونشرها. الحكومة المغربية حاولت السيطرة على الوضع عبر إقالة مندوب وزارة الأسماك وفتحت تحقيقًا بالموضوع. إلّا أنّ الاحتجاجات ظلّت مستمرة. خصوصًا في مدينة الحسيمة الواقعة في الريف المغربي، والتي حصلت فيها حادثة طحن بائع السمك المذكور.

مطالب المتظاهرين تنحصر في كونها مطالب حقوقية واجتماعية: بناء جامعة ومستشفى، ربط الحسيمة بالسكّة الحديدية للبلاد، إلغاء إعلان الحسيمة منطقة عسكرية (وهو الإعلان الذي حصل عقب انتفاضة 59). تخفيض الضرائب، الإفراج عن المعتقلين من الحراك حتّى الآن وعدد من المطالب المشابهة.

الدولة اتهمت المتظاهرين بأنّهم ذو ميول انفصالية، وأنّ هناك أجندات خفية وراء المظاهرات. خصوصًا وأنّ العلم الأمازيغي كان يتم رفعه باستمرار في المظاهرات. المتظاهرون من جانبهم يردّون بأنّهم لا يوجد لديهم مثل هكذا مطالب أو ميول، وأنّ حراكهم سلمي شعبي لتحقيق مطالب اجتماعية فقط.

في هذه المظاهرات، برز شاب يدعى “ناصر الزفزافي” من أبناء الريف، اعتبره البعض أيقونة حراك الريف. تحدّث في أكثر من مناسبة عن جور وظلم النظام الحاكم وأنّ الاحتلال الإسباني كان أفضل من النظام المغربي الحالي:

قبل أسبوع تم اعتقال الشاب بتهمة “التعدّي على إمام جامع” حيث قام الزفزافي بمقاطعة خطبة جمعة لأحد أئمة الجوامع عندما صار يتحدث عن الأوضاع الجارية والاحتجاجات المذكورة. وهو ما دفع النيابة إلى إصدار مذكّرة اعتقال بحقّه، لتوجّه إليه تهمة “ارتكاب جنايات وجنح تمس بالسلامة الداخلية للدولة وأفعال أخرى تشكل جرائم بمقتضى القانون”.

ما أضاف الزيت على النار هو قيام وسائل الإعلام الرسمية المغربية بأخذ فيديوهات قديمة لأحد الأحداث التخريبية في الحسيمة بعد مباراة كرة قدم وتصويرها على أنّها “قيام المتظاهرين بتخريب الممتلكات العامّة بالحسيمة”، وهي سقطة إعلامية انتبه إليها ناشطون:


حراك الريف المغربي (بالإضافة لعدد من المدن الأخرى) ما يزال مستمرًا حتّى اللحظة منذ ستة أشهر. ويبدو أنّه يسير في طريقٍ مسدود، فبينما تتعنت الحكومة وتصف أحد النواب في البرلمان المتظاهرين بـ “الأوباش” أسوةً بالحسن الثاني، لا يبدو أنّ الأمور في طريقها إلى الحلّ قريبًا. خصوصًا أنّ الريف قد عانى-وما يزال-من التهميش المستمر لدوره وساكنيه. وهو أمرٌ لا يبدو أنّه سيمرّ على خير هذه المرّة. خصوصًا وأنّ الدولة المغربية معروفة تاريخيًا بالبطش بالريف وأبنائه كما حصل في حراك الـ 59 والـ 84.

المصادر

867

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

محمد هاني صباغ شاب مسلم، مؤسس عدد من المبادرات العربية والعالمية عن البرمجيات الحرّة والمفتوحة. مبرمج ومدوّن. كاتب مستمر في أمّة بوست.
  • osama badr

    علم الجمهورية الاتحادية هلال وبه نجمة اليهود.

مشاركة