الرئيسية سياسة ماذا نستفيد من حصار قطر وأزمة الخليج؟
ماذا نستفيد من حصار قطر وأزمة الخليج؟

ماذا نستفيد من حصار قطر وأزمة الخليج؟

362
6

قد شدت انتباهنا جميعا أزمة قطر مع دول الخليج ومصر والتي تتربع على عرش عناوين الأخبار الخليجية والمصرية في كل يوم، وهي الأزمة التي طالت فصولها لتكشف لنا عن جملة من الخبايا لم نكن ننتظر أن تفرزها حرب التراشق بين الأطراف المتصارعة في مثل هذا الوقت تحديدا ولم نكن نتوقع أن يصل مستوى الصراحة ليبلغ ذروته.

حينما يتحول الشركاء لأعداء

ذلك أننا نشاهد حكومات تتصارع في حين تحمل كل منها نفس المفاهيم والولاءات، من جهة لكونها تنتمي لمجلس تعاون خليجي وتحالف عربي عسكري يعكس درجة اتفاق هذه الحكومات في أهدافها ومبادئها في يوم مضى قريب، ثم لأنها تلتقي جميعا في ذاك التفاخر بولائها للولايات المتحدة وتقديم القرابين واللهث خلف مصالح النظام الدولي وإن كان على حساب الدين والعقيدة والمبادئ التي يتميّز بها المسلم؛ وهذا ما يفسر القواعد العسكرية الأمريكية المهمة التي تحتضنها أراضيها دون الحديث عن التعاون الاستخباراتي والتحالفات السرية والمعلنة والاتفاقيات والمناورات التي تصب كلها في مصلحة الغرب بالدرجة الأولى.

ولا أبلغ من مشهد قطر والسعودية تتنافسان في دفع ملايين الدولارات لنجدة الأمريكيين الذين تضرروا من إعصار إرما وهارفي. وكأن المليارات التي حصل عليها ترامب قبل مدة غيرة بعيدة من قمة الرياض لم تكفِ لإثبات مصداقية الولاء والوفاء الذي تتعهد به هذه الحكومات لواشنطن في حين ينتظر شعب مسلم يباد عن بكرة أبيه، ويموت في كل يوم، جوعا وكمدا في بورما، ينتظر عشر هذا السخاء ولم يزل ينتظر!

اقرأ أيضًا: كل ما يجب أن تعرفه عن صفقة القرن وزيارة ترامب للسعودية

الصراع الفاضح

هذا ما يجعل مشهد الصراع بين قطر وحلف الرقاب كما وصفه الإعلام القطري وتحديدا برنامج “فوق السلطة” الفاضح، ويقصد به (الرياض والقاهرة وأبو ظبي والبحرين) عواصم الدول المحاصرة لقطر، يجعله يعكس مشهد صراع أنظمة حاكمة على السلطة والنفوذ لا صراع مبادئ وأجندات تصب في مصلحة الأمة.

فقد اختلفت قطر ودول الحصار في الأسلوب ولكنها اتفقت في الأجندات والأهداف وإن تضاربت مصالحها حينا أو آخر. ومن الأدلة على ذلك، تعامل قطر مع قضية اليمن مثلا، فقد كان التحالف العربي يقتل في كل يوم أبرياء ومدنيين وأطفال بقصف متهور أثار غضب اليمنيين وزاد من عمق جراحاتهم، وحينها، حينما كان الوئام يجمع قطر بجيرانها، التزمت الجزيرة الصمت ولم تنتقد جرائم الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي سارعت اليوم لفضحها بالأرقام والحجج الدامغة لتكشف جريمة دول الحصار بحق الشعب اليمني مع سبق الإصرار والترصد وهي الجريمة التي انتقدها الغرب بشدّة ولا يزال يطالب بوضع السعودية في قائمة العار لانتهاكات حقوق الإنسان فضلا عن حظر الأسلحة عن التحالف الفاشل!

 

وبالنسبة لنا كمشاهدين لمخرجات هذا الصراع المحتدم والذي كشف عن الوجه القبيح لأنظمة تقوم على الغش والكذب والخداع والمراوغة وكل ما حط من أساليب للحفاظ على عروشها. فإننا استفدنا بالتأكيد من تجلية الحقائق بالدليل القاطع وأصبح واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار درجة انحطاط الأنظمة الحاكمة ودرجة خيانتها للإسلام والمسلمين وبالتالي فسادها.

عار الإعلام

فالتقارير الفاضحة التي ينشرها الإعلام القطري والبرامج التي تنشر غسيل دول الحصار أعطت الصورة الحقيقية لواقع مؤلم نعرفه ولكننا لم نكن نتوقع أن تكشف حقيقته علنا على منصات إعلام عربي. إنه واقع لم يقف عند حكومات فاسدة بل كشف عن حقيقة إعلامها الفاسد الذي يحيك التغطيات التي تناسب أهواء السلطة الحاكمة بغض النظر عن النزاهة والمصداقية والمهنية التي يجب أن يحترمها، فتألق نجم قناة العربية والحدث والقنوات المصرية والسعودية في فضاء الدجل والفبركة والافتراء بلا منازع. حتى جذبت لها انتقادات غربية حادة تعد مشينة على أقل تقدير.

ثم ها هي اليوم حليفة الأمس، شاشة الجزيرة، تستضيف معارضا إماراتيا يكشف النقاب عن فساد حكومته بكل صراحة وبلا تزويق ولا تلفيق، وذاك المعارض السعودي البارز الذي لا يعير اهتماما لتهديدات ولي أمر ولا لملاحقات سلطات أمن، فيكشف الخيانات والجرائم الكبرى لحكومته لندخل في مرحلة جديدة من الصراحة، كنا حقيقة بحاجة لها.

كذلك بتدافع ردود الغضب يكشف الستار لأول مرة عن أسرار قاعدة العديد في قطر والقواعد العسكرية في منطقة الخليج وتتفاجأ جماهير المسلمين بهذا التركيز الإعلامي والزخم ومشاركة معلومات وبيانات كانت تغيب عن عموم الأمة.

لقد ظهرت معلومات لم تكن تخطر على بال، مثل تصريح من مدير سي آي إيه السابق الذي يؤكد بأن استضافة قطر لحماس وطالبان كان بطلب من الولايات المتحدة نفسها وفي تنسيق معها ولم يخرج الأمر عن إرادتها.

أساليب الحكومات في التلاعب بالرأي العام

لقد شاهدنا بعض الأساليب المخادعة والمضللة غير النظيفة التي تستعملها الحكومات الوظيفية كلجوء الإمارات إلى اختراق وكالة الأنباء القطرية ونشر تصريحات مفبركة لأمير قطر، واستفدنا أكثر بمعرفة الوسائل التي تستعين بها دول الخليج للتأثير في العالم الافتراضي وكيفية تدخلها في تغيير نسبة الرأي العام بالفبركة والبرامج المشوشة التي لا تعكس النتائج الحقيقية على الأرض، ثم أدركنا كيف تستعمل هذه الحكومات الفضاء الخارجي لتداري حجم الإجرام الإماراتي والسعودي والمصري المنتهك لحقوق الإنسان والذي بلغ معدلات منذرة تدعو لوقفة حزم من شعوبها فتغرقه بتيار مناصر لها ومطبل لانتصارات وإنجازات وهمية لم تخرج يوما للنور.

كذلك تأملنا تلك المطالب الجريئة التي قدمتها دول الحصار فجعلت من حماس إرهابية ومن القرضاوي إرهابي خطير ومن الإخوان المسلمين إرهابيين ملاحقون! وأضحى الإرهاب تهمة كل مسلم وإن كان مسالما لقوى الغرب في حين يجري التقارب والتطبيع من وراء الستار مع الكيان الإسرائيلي بحجة المصالح المشتركة.

لقد شاهدنا ذلك الدهاء في تعامل الولايات المتحدة مع قضية الحصار وكشفنا أيضا حماقة الرئيس الأمريكي وربما تكون دهاء في التعامل مع ملف القضية بالنفخ تارة وبالتهدئة أخرى.

ثم للإنصاف، رغم استعانة دول الخليج بكل الأساليب الساقطة للضغط على قطر، فإن قطر على صغر مساحتها استطاعت أن تضرب ضربات قوية تزلزل عروش هذه الدول، وذلك لما تملكه من إعلام قادر على إثبات خيانة وفساد حكوماتها والذي لم يبلغ مستواه إعلام دول الخليج بل على العكس انحدر لمستوى من اللاكفاءة والتخبط كشف عن سفاهة مثيرة للسخرية، كتعمد الإعلام السعودي نشر بيانات باسم دولة العراق والشام الإسلامية تناصر قطر في حصارها، في حين لم يعد هناك حديث عن هذه الدولة بعد أن تمددت للدولة الإسلامية. فضلا عن أن منهج هذه الجماعة لا يمكن أن يناصر حكومة تعرف في أبجدياته بـ”المرتدة” وهي الفضيحة التي أثارت سخرية الكثير من المراقبين والإعلاميين والعقلاء لما تعكسه من جهل وسفاهة تميّز بها الإعلام المستأجر.

من الصعب أن ألخص في هذه السطور جميع فظائع وفضائح وسفاهات الإعلام الخليجي والمصري ولكن الجزيرة كفتنا مؤنة عرضها وبشكل يستحق التقدير، مع العلم أن الجزيرة نفسها قد انجرت إلى مستنقع الرد الطفولي، فتجدها تذكر حصار قطر في كل تقرير بغض النظر عن كون فحواه لا تمت لصلة بالحصار، فضلا عن الردود اللحظية السريعة على كل تعليق من دول الخليج وكذا التضخيم لإنجازات قطر وأميرها والتي قد يكون من بينها مجرد مشاركة في اجتماع للأمم المتحدة.

ويبدو أن هذه القضية ستطول ولكننا سنستفيد بكل تأكيد من حجم الفضائح والخيانات التي سيكشفها لنا الإعلام الثائر الذي يسعى للانتقام ، وإن كنا لا نستطيع تخمين طول أمد ثورة الانتقام هذه إلا أننا نطمع في أن تزيد من رفع درجة وعي الشعوب المغيّبة ويساعد في تبيان معالم طريق التغيير الذي يجب أن تنشده قبل أن تصفو أجواء الدول المتصارعة وتختفي لغة الصراحة الإعلامية التي بدأنا نتعود عليها.

362

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن
د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي كتابان حتى الآن (نجوم على الطريق وصفحات من دفتر الالتزام).

  • تعقيب

    أولا، هي مقاطعة وليس حصار، الحصار هو المطبق مثلا على غزة! أما قطر فغير محاصرة، أجوائها الجوية والبحرية مفتوحة، ينتقل من وإلى قطر الناس وكل البضائع الخ! …. ثانيا، الجزيرة لها أيضا أجندتها وتدس الكذب والخداع لكن بأسلوب أرقى من إعلام دول المقاطعة! …. ثالثا، من هو (الإعلام الثائر) الذي تقصده الكاتبة في آخر المقال؟ الجزيرة قطعا ليست إعلاما ثوريا، بل إعلام وظيفي يخدم مخططات بريطانيا بالدرجة الأولى! …

    • د. ليلى حمدان

      حياك الله وأشكر لك تفاعلك مع المقالة، النقاط التي أشرت إليها لا
      نختلف عليها، فتوظيف مصطلح الحصار هو لشهرته ابتداء في الإعلام وإن كنت ترى
      المقاطعة أدق وأبلغ فهناك الكثير من البلدان لا تقاطع قطر كتركيا وإيران،
      إذن الحصار والمقاطعة كلاهما يصبان في نفس المعنى حينما يطبقهما طرف محدد
      وهو دول الخليج ومصر، أما بالنسبة لإعلام الجزيرة ووصفه بالثائر فلو تأملت
      باقي المقطع ، ستجدني حددت أي نوع من الثورة هي، فالثورة ثورات وليست كل
      الثورات مقدسة، إنها ثورة انتقام إعلامية، ثم بالنسبة لتصنيف الجزيرة فلو
      قرأت المقالة بتمعن أكثر ستجد الرسالة واضحة في أنني لم أنزهها عن أخطائها.
      جزاك الله خيرا وشكر الله حسن متابعتك.

      • تعقيب

        أختي الكريمة، المصطلحات لا تُنتقى لشهرتها ولكن لصحتها وموافقتها للحقيقة، فالحقيقة ليست ما تريده الأغلبية وتروج له ولكنها التي تنطبق على الواقع بأدلة! … والمحاصرة والمقاطعة قطعا لا يصبان في نفس المعنى ولهما معنيان مختلفين تماما سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الإعلامية والتأثير على الرأي العام! وشيء طبيعي أن هناك دول تقاطع ودول لا!

        أما بخصوص الجزيرة فرغم “تلميحات” في المقال إلا أن موقفك منها في المقال يغلب عليه مدحها، وكان الأولى وضع النقاط على الحروف بكل وضوح!

        أما كلامك عن (الثورة ثورات الخ) و(ثورة انتقام إعلامية) إشارةً الى الجزيرة، فكلام لم أفهم منه شيئا!
        على كل حال الجزيرة قطعا ليست إعلاما ثوريا بل إعلاما وظيفيا (تابع لبريطانيا التي أسستها) أهم وظيفته التشويش على سياسات أمريكا وعملائها في المنطقة،…..
        والجلي أن تغطية الجزيرة لأحداث المنطقة وعلى رأسها ثورة الشام وانتفاضات مصر وتونس سنة ٢٠١١م، تغطية تصب في أهداف واضحة تروج لها الجزيرة: دولة علمانية ديمقراطية، فهدف الجزيرة من ثورة الأمة يختلف تماما عن هدف الأمة والاسلام، فتحاول الجزيرة احتواء الثورة والانتفاضات الشعبية لتوجيهها، وهذا النوع من الإعلام الذي يقدم نفسه كصديق أخطر وأخبث بكثير من الإعلام الذي يحارب مباشرة وبفجور الثورة، …..

        • د. ليلى حمدان

          أخي الكريم، مصطلح “تغريدات” لا يمت للصحة بشيء، ومع ذلك ينتشر كانتشار النار في الهشيم، الأصل نقول “تغاريد” إذن توظيف المصطلح قد يكون لشهرته.
          بالنسبة للجزيرة مدحت مستواها الإعلامي وهذا حقيقة لكن أجندتها فقد بسطت في مقدمة الموضوع أنها لا تختلف عن غيرها “ذلك أننا نشاهد حكومات تتصارع في حين تحمل كل منها نفس المفاهيم والولاءات”.
          وأرى أن المشكلة تكمن في قراءتك للموضوع التي تعكس فهما مختلفا عن الرسالة التي كنت أرمو إليها، وفي الأخير أرجو أن تصل هذه الرسالة إلى نسبة من القراء الذين استوعبوا الأسلوب والمعاني ، وإن اختلف البعض معها فلاشك أن رسالتي ستصل يوما ما إن كنا نستقي من نفس المعين. أحسن الله إليك وأكرمك، سعدت باهتمامك ومتابعتك.

          • تعقيب

            الأخت الكريمة، قطعا ليست هناك مشكلة في قراءتي للموضوع ولا في (فهمٍ مختلف) للرسالة التي ترمي إليها! ويكفي أنك تدافعي عما انتقدته في موضوعك كاستعمال مصطلح (الحصار) بدلا من التوصيف الأصح وهو “المقاطعة”، ودفاعك عن موقفك من قطر والجزيرة! أما قولك (ذلك أننا نشاهد حكومات تتصارع في حين تحمل كل منها نفس المفاهيم والولاءات) فهذا كلام عابر عام غير صريح وليس موجه لقطر بعينها كما وجهت في مواضع أخرى كلاما صريحا حادا بخصوص السعودية والإمارات مثلا، لذلك قلتُ في التعليق الأول أنه كان الأولى وضع النقط على الحروف! المقام ليس مقام عموميات وانتقاد “لطيف” عام، ولكن الأحداث التي تمر بها الأمة تحتاج لقول فصل واضح مفصل حتى تتحقق رسالة توعية الناس على حقيقة الأنظمة التي تتحكم فيهم!
            على كل حال شكرا جزيلا على تفاعلك، وأرجو أن تفكري بتأني في النقاط التي انتقدتها، فالنقد لا ينقص البتة من قيمة مجهوداتك ولا من شخصك. فالنقد الموضوعي يساعد على تنقيح المفاهيم والأفكار، وعلى سد الثغرات التي كلنا كبشر يستحيل أن نخلوا منها!

          • د. ليلى حمدان

            أخي الكريم، رفع الله قدرك وأحسن إليك.

مشاركة