الرئيسية التاريخ الإسلامي قصة التتار: الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها في تاريخ المسلمين!
قصة التتار: الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها في تاريخ المسلمين!

قصة التتار: الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها في تاريخ المسلمين!

442
0

تملك اليأس والإحباط  من قلوب البعض ظنا منهم أن ما تمر به الأمة الآن من استباحة الأرض والعرض والثروات هي أصعب وأشد النوازل التي أحلت بالأمة وأن الخزي كُتب علينا ولا فكاك منه ولكن الناظر في التاريخ الإسلامي سيجد صفحات أكثر ظلمة، كست فيها الدماء شوارعنا وفعل بنا العدو الأفاعيل، وبالرغم من ذلك فاقت الأمة من ثباتها وحققت انتصارات سحقت فيها الأعداء، وهنا تأتي أهمية التاريخ فكما قال ربنا في كتابه الكريم ” فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” فلابد أن ننظر في التاريخ ونتعلم لماذا انهزمت الأمة وكيف استعاد المسلمون مجدهم بعد تلك الهزائم الساحقة.

لم أجد أيامًا أصعب من غزو التتار لبلادنا، الغزو الذي تعجز الكلمات في وصف بشاعته فقد فقال ابن الأثير الجزري في كتاب الكامل في التاريخ:

لقد بقيت عدة سنين مُعرِضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها فأنا أقدم إليه رِجْلًا وأؤخر أخرى فمن يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام  والمسلمين فيا ليت أمي لم تلدني وياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، هذا فصل يتضمن الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها فلو قال القائل إن العالم منذ خلق الله آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا

فحادثة اجتياح التتار لأراضينا وأسباب ذلك وكيف كان النصر عليهم تستحق إلقاء الضوء عليها لما فيها من فوائد عظيمة.

من هم التتار؟

ظهرت دولة التتار في شمال الصين عام 603هـ كان زعيمها الأول جنكيز خان “تموجين” قائد دموي شديد البأس اتسعت مملكته يشكل سريع اجتاح بلاد المسلمين فقتل العباد ودمر البلاد فكانت هجمات التتار دموية ونكبه عظيمة نزلت بالمسلمين أكثر حتى من الحروب الصليبية.

الهجمة التترية الأولى

حرض الصليبيين التتار على  إسقاط الخلافة العباسية في العراق وأرسلوا وفد إليهم لعرض الأمر وأنهم جاهزين لتقديم المساعدة  أعجب جنكيز خان بالفكرة  ولكن احتلالها يقف أمامه عدة عقبات منها بُعد المسافة بين الصين والعراق وعدم توفر أماكن وسط بين  العراق والصين لتكون قاعدة ثابتة للجيوش وكيف يحارب دولة مسلمة وظهره غير محمي من قبل الدول المسلمة المجاورة ففكر في خوض حروب مع المنطقة الشمالية من الدولة الإسلامية الواقعة تحت حكم محمد خوارزم شاه ليمهد الطريق لغزو أرض الخلافة وبالرغم من وجود اتفاق بين التتار والدولة الخوارزمية على حسن الجوار إلا إن جنكيز خان استغل حادث مقتل مجموعة من المغول في الأراضي الخوارزمية وطلب من محمد بن خوارزم أن يسلم من قتلهم ولكنه رفض أن يسلم مسلمين لدولة كافره ويحكم عليهم بقوانين كافره ووعد بأنه سيحاكمهم في بلاده ولكن جنكيز كان يتمنى تلك الفرصة فكيف يضيعها!

ومن هنا بدأ الإعصار التتري يجتاح بلاد المسلمين وتحدث أهوال يشيب منها الولدان. التقى الجيشين في شوق نهر سرداريا الواقع في كازاخستان في معركة عنيفة دامت أربع أيام استشهد فيها عشرون ألفا من المسلمين ولقي فيها أضعافهم من التتار حدفهم، انسحب محمد خوارزم ليحصن دولته وخصوصا العاصمة ” أورجندة” بعد أن رأى أعداد التتار الهائلة. كانت علاقة خوارزم بباقي الدول المسلمة مقطوعة تماما بل كان معاديا للخلافة العباسية ولم يمد أحد من تلك الدول يد العون للمسلمين إخوانهم لمواجهة الخطر التتري، في هذه الأثناء كان جنكيز جهز جيشه واخترق كل أقاليم كازاخستان حتى حاصر بخارى.

حصار بخارى

حاصر التتار بخارى بلد الإمام البخاري عام 616هـ وطلب من أهلها التسليم مقابل الأمان، انقسم أهلها فريقان فريق مع التسليم بحجة أنهم لا قبل لهم بحرب التتار والفريق الأخر قرر جهاد المحتل مهما كانت النتائج ولكن فريق الخائفين المستسلمين كان أكبر ففتحوا أبواب المدينة ودخل التتار ديار المسلمين بأيدي المسلمين، والمخزي أكثر أن التتار عند دخولهم أعطوا الأمان للمسلمين إلا المجاهدين المتحصنين في القلعة الذين رفضوا الاستسلام فطلب التتار من المسلمين مساعدتهم في حصار القلعة وبالفعل حدث ذلك ولم يبقى في بخارى مجاهد واحد، ولكن هل للتتار عهد؟ وهل سيظل الأمان مخيم على المدينة؟ وخصوصا بعد مساعدة بعض أهلها لهم في القضاء على المجاهدين؟ بالطبع لا فقد قال ابن كثير في البداية والنهاية ” فقتلوا من أهلها  خلقا لا يعلمهم إلا الله وأسروا الذرية و =النساء وفعلوا في النساء الفواحش في حضرة أهليهن، فمن المسلمين من قتل دون حريمه حتى قتل ومنهم من أسر وعذب بكل أنواع العذاب وكثر البكاء والضجيج بالبلد من النساء والأطفال والرجال ثم أشعلت التتار النار في دور بخارى ومدارسها ومساجدها فاحترقت المدينة حتى صارت خاوية على عروشها” هكذا كان الحال في بخارى بعد استسلام أهلها واستشهاد مجاهديها ولكن لم يكن ما حدث في بخارى هو أبشع ما حدث فالقادم أبشع بكثير.

617هـ عام الهلاك

بعد كل ما فعله التتار من مجازر ودمار في بخارى لم يكتفوا بذلك بل أخذوا أسارى المسلمين معهم في اجتياح سمرقند وكان هذا لعدة أسباب؛ منها أمر التتار أسارى المسلمين برفع أعلام التتار حتى يظن من يرى الجيش من بعيد ضخامة العدد فيقع في قلوب المسلمين الخوف والهلع، كانوا يأمروهم بالقتال في صفوفهم ومن يرفض يقتل، كما أنهم يضعونهم في مقدمة الجيوش حتى يحتمون بهم. كانت سمرقند مدينة من حواضر الإسلام العظيمة ذات الأسوار والقلاع، ترك فيها محمد خوارزم خمسين ألف جندي وكان عدد سكانها مئات الآلاف، حاصر التتار البلد من كل الاتجاهات وكان على جيش المسلمين النظامي أن يخرج لقتالهم ولكن الكارثة الكبرى أن الرعب والهلع دب في قلوبهم وقرروا الاستسلام اجتمع أهل المدينة لإقناع الجيش للخروج والقتال ولكنهم رفضوا ولكن أمة الإسلام الخير فيها إلى يوم القيامة فخرج أهالي البلد لقتال التتار وكان عددهم يقدر بحوالي سبعون ألفا ممن تمكن حب الدين من قلوبهم ولكنهم للأسف كانوا دون خيول أو تدريب ولا علم بأمور الحرب وهنا نصب التتار لهم حيلة وانسحبوا من أمام المدينة وتبعهم المسلمين فنصب التتار لهم فخ ولك أن تتصور كم مجاهد قتل في تلك المعركة ؟ لقد قتلوا جميعا!!

نعم لقد استشهد السبعون ألفا كلهم دفعة واحده هل لك أن تتخيل حجم الكارثة التي نزلت بالمسلمين في ذلك الوقت ولكن تمهل فالقادم أفجع. عاد التتار لحصار المدينة مرة أخرى وهنا كانت خيانة أخرى من جانب الجيش النظامي وهي قرارهم بفتح أبواب المدينة مقابل الأمان وهو ما حدث بالفعل ودخل التتار المدينة وطلبوا من الجنود تسليم سلاحهم ودوابهم والأموال وكالعادة قتلهم التتار جميعا وفعلوا بالمدينة كما فعلوا في بخارى فقتلوا العباد وانتهكوا الحرمات واحرقوا الجامع الكبير وتركوا المدينة خرابا.


جنكيز ومحمد خوارزم شاه

استقر جنكيز في سمرقند وبعدها قرر إرسال عشرون ألفا من جنوده للامساك بمحمد شاه، انطلق الجنود إلى العاصمة حيث يقبع شاه ولكن المسلين كانوا مطمئنين لأن هناك نهر يفصل بينهم وبين جنود التتار ولكن حدث ما لم يتوقعونه اعد التتار أحواض من الخشب كبيرة الحجم وكسوها جلود البقر حتى لا تغرق وانزلوا الخيول الماء لتسبح وامسكوا في أذنابها وعبروا النهر ولما علم محمد شاه بذلك فر هاربا، وأخذ يتنقل من بلدة إلى بلدة حتى استقر في قلعة مهجورة حتى مات بعد وقت قصير ويقال انه من شدة الفقر لم يجدوا ما يكفنوه به.

بعد علم فرقة الجنود بموت شاه أسروا أهله وأرسلوهم إلى جنكيز خان وفي الطريق أغاروا على عدة مدن ودخلوا قزوين وقتلوا فيها ما يزيد عن أربعين ألفا.

قسم جنكيز جيشه إلى ثلاث مجموعات واحده إلى أوزبكستان والثانية إلى تركمنستان والثالثة إلى كلابة أحصن قلاع المسلمين

سقوط بلخ

هذه المدينة استسلمت للتتار دون أي قتال ومن أول الحصار مقابل الأمان فدخل التتار فيها ولكن لم يقتلوا أهلها هذه المرة ولكنهم طلبوا منهم ما هو ألعن من القتل وهو المشاركة معهم في غزو ” مرو ” المسلمة والمبكي أنهم وافقوا.

فاجعة مرو

اتجه التتار ومعهم المنتسبين للإسلام اسما إلى حصار مرو ولكنهم وجدوا أن أهل مرو استعدوا بجيش كبير خارج المدينة حوالى مائتي ألف ولكن الفاجعة أن التتار قتلوا معظم الجيش وأسروا من تبقى وحاصروا المدينة ولكن أهلها ظلوا صامدين أربع أيام حتى أرسل ابن جنكيز خان إلى وإلى المدينة يقول له ” لا تهلك نفسك وأهل بلدك وأخرج إلينا نجعلك أمير البلدة ونرحل عنك” والكارثة أن الأمير استجاب وخرج إليهم فقابله ابن جنكيز مقابلة عظيمة واستقبال حافل وطلب منه أن يخرج له أصحابه من رؤوس البلد بحجة تولية من يصلح منهم والكارثة الأكبر أن الأمير جمع الوزراء وكبار الأعيان وخرج بهم لمقابلة ابن الزعيم قاتل المسلمين والاستقبال هذه المرة كان حافلا بحق كعادة التتار فربطوهم بالحبال وطلبوا منهم أن يكتبوا أسماء كبار التجار وأصحاب الأموال والثانية أن يكتبوا أسماء أصحاب الحرف المهرة والثالثة أن يخرج كل أهل مرو، وبالفعل خرج كل سكان مرو ثم جلس ابن جنكيز على كرسي ذهب أمام هذا الجمع من المسلمين وأمر بإحضار الأمير والوفد الذي كان معه فقتلوهم واحدًا واحدًا أمام الناس وبعدها أمر بإحضار أصحاب الحرف المهرة وأرسلهم  إلى بلاد التتار للاستفادة منهم أما أصحاب الأموال فقد عذبوهم وأخذوا أموالهم ولكن الأبشع من ذلك كله هو أمره بقتل كل سكان المدينة بحجة أنهم استعصوا على التتار وبالفعل تم قتل سبعون ألف مسلم استشهد كل سكان مرو رجال ونساء وأطفال.

اجتياح خوارزم

كانت هذه المدينة مركز عائلة محمد خوارزم وكانت من أضخم المدن المحصنة وذات بأسا، تجمع جيش غفير من التتار وحاصروها خمس أشهر في صمود لأهلها ولكن وصل مدد لجيش التتار واستطاعوا أن يحدثوا ثغر في سور المدينة ودخلوها ودار قتال عنيف جدا استشهد فيه الكثير من المسلمين وهرب المسلمين في سراديب تحت الأرض ولكن التتار لم يرحموهم فقد هدموا سدا فغرقت المدينة بأكملها ولم ينجوا أحد منها.

كل هذه الكوارث الفواجع كانت في عام 616 و617هـ ولكن جنكيز خان لم ينتهي حلمه هنا ولم يرضى بكل هذه المساحة التي سقطت في يده بل أعد العدة لغزو وسط وجنوب أفغانستان وهنا صفحة جديدة في المعارك بين المسلمين والتتار تلك الصفحة التي هزم المسلمين التتار لأول مرة، كيف هزموهم؟ ومن القائد الذي استطاع أن يكسر شوكة التتار؟ وهل تستمر الانتصارات أم لا؟ هذه كله ما سنعرفه في موضوعنا المقبل إن قدر الله لنا.

تعليق على الأحداث

لا أدري كيف وبم يكون التعليق على تلك الفواجع والكوارث في تلك الحقبة؟ وكيف كان إحساس وشعور من عاش وشاهد كل هذا الأسى؟ ولكن برغم صعوبة الأحداث إلا إنها فيها دروس هائلة، فكم نحتاج أن نتعلم من مآسينا السابقة حتى لا نستمر طويلا في مستنقع الهوان الذي نحياه واقعًا الآن، من هذه الدروس:-

  1. أن الصليبين لم ينسوا يوما أن المسلمين أعدائهم ويخططون للنيل منهم وحلم سقوط الخلافة كان يراودهم حتى ولو كان هذا السقوط على يد قوة أخرى ستتوسع في أرض المسلمين، وهذا هو حال الصليبين قديما وحديثا فنحن اليوم نرى أمريكا التي كانت روسيا عدوها اللدود تطلق يدها في إمطار السوريين بالبراميل يوميا فكما قال ربنا” لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم” فالعداء معهم أبدى لن ينتهي إلا بتخلينا نحن عن ديننا.
  2. تَفَرُّق المسلمين وتشتتهم دائمًا من أهم الأسباب في الهزيمة فنرى أن خوارزم وباقي الدول الإسلامية كانت علاقتهم اختلاف وتنازع، اختلاف وركون إلى الدنيا جعلهم لا يحركوا ساكن يعد كل هذه المذابح بعد أن هلكت بلاد المسلمين بلدة تلو الأخرى، بعد انتهاك الأعراض وسفك دماء الأطفال ونسوا مقولة “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض” وهذا ما حدث بالفعل.
  3. الهزيمة النفسية والاستسلام للمسلمين في ذلك الوقت فنرى مدن استسلمت دون أي قتال وإعانة المحتل على حصار المجاهدين ومن شارك في اجتياح دولة مسلمة أخرى، أي عقل يصدق هذا كيف وصل بهم الحال لكل هذه الهوان ولكن كما قال سيد قطب: “من لم يدفع ضريبة المواجهة يدفع ضريبة الذل“، فبدل من أن تكون نهايتهم شهداء للدين والعرض والأرض ماتوا مستسلمين بشكل مغزى.
  4. غياب القيادة؛ وهنا نرى خوارزم شاه صاحب الملك مترامي الأطراف يخشى مواجهة العدو ويهرب من بلدة إلى بلدة من جنود عددهم عشرون ألفا فقط قمة الاستهانة من العدو له وقمة الهوان والحسرة على ملك يلقي سلاحه، وبدل أن يموت في أرض المعركة يموت شريد خائف.
  5. عجبت من جلد الفاجر وعجز المؤمن؛ تتجلى هذه المقولة بكل وضوح فنرى جنود التتار لم يعوقهم النهر عن مهمتهم في القتل والتخريب فأعدوا السفن وعبروا النهر في الوقت الذي كان فيه المسلمين قيادة وجيش وشعب في غاية الخوار تنتظر كل مدينة اجتياح التتار لها ولا تقاوم المحتل ولا تعد العدة وكأنهم مجموعة من الأموات ولله الأمر من قبل ومن بعد.
  6. نلاحظ أن دولة التتار ظهرت في عام 603هـ وهذه الأحداث المريرة كانت عام 616\617هـ من يصدق أن دولة وليدة منذ أعوام تعد على أصابع اليد تفعل كل هذا بدولة عمرها أكثر من 500 عام حكمت نصف العالم، ولكن لا عجب فقد قال ربنا في كتابه ” أطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم” وهذا ما حدث لم يطيع المسلمين أوامر الله ورسوله وتخلوا عن دينهم وهانت عليهم عقيدتهم وتنازعوا فيما بينهم وملأ قلوبهم حب الدنيا فما حدث لهم نتيجة طبيعية.

 


المصادر

442

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

مشاركة