صبرا وشاتيلا: ليلة المجزرة البشعة وغياب الإنسانية

صبرا وشاتيلا: ليلة المجزرة البشعة وغياب الإنسانية

صبرا وشاتيلا: ليلة المجزرة البشعة وغياب الإنسانية

132
0

عندما حل فجر يوم 15 أيلول 1982، حلقت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي على ارتفاعات منخفضة في سماء بيروت الغربية، وقد أعلنت القوات الإسرائيلية دخولها المنطقة وإحكام السيطرة عليها. بدءًا من الساعة التاسعة صباحًا تواجد الجنرال شارون شخصيًا لإدارة العملية وتوجيه القوات الإسرائيلية. وقد كان متمركزًا في المنطقة العسكرية على مفرق السفارة الكويتية على حواف مخيم شاتيلا في الطابق السادس من عمارة مطلة على مخيمي صبرا وشاتيلا المجاورين.

عندما حل منتصف النهار، كان المخيمان محاصرين تمامًا من قبل القوات الإسرائيلية بجنودها ودباباتها والتي وضعت الحواجز لمراقبة كل من يدخل ويخرج من منطقة المخيمات، ومع بداية عصر اليوم قامت القوات الإسرائيلية بقصف المخيمات بمدفعيتها. في 16 أيلول 1982، كان الجيش الإسرائيلي مسيطرًا على بيروت الغربية بالكامل. وأصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بيانًا صحفيًا أعلن فيه أن

الجيش الإسرائيلي يسيطر على جميع النقاط الإستراتيجية في بيروت، وأن مخيمات اللاجئين المليئة بالإرهابيين محاصرة

في ساعات الصباح قامت عناصر الجيش الإسرائيلي بالقصف المدفعي للمخيمات من مناطق مرتفعة محيطة بها، وقام القناصة الإسرائيليون بقنص من تواجد في شوارع المخيم. في منتصف النهار سمحت القيادة العسكرية الإسرائيلية لقوات الكتائب أن تدخل المخيمات، وفي الساعة الخامسة مساء دخل ما يقارب 150 عنصر مسلح من حزب الكتائب اللبناني إلى مخيم شاتيلا من الجنوب والجنوب الغربي.

عندما دخلت قوات الكتائب، اتصل الجنرال دروري بآرئيل شارون واخبره

أن أصدقاءنا يتقدمون في المخيمات، بعدما رتبنا لهم دخولهم”. فرد عليه شارون: “مبروك! عملية أصدقائنا موافق عليها

في الأربعين ساعة التي تلت، قامت عناصر الكتائب باغتصاب وقتل وجرح عدد كبير من المدنيين أغلبهم من الأطفال والنساء وكبار السن المحاصرين في المخيمات. ترافقت هذه الجرائم مع عمليات اختطاف جماعية دعمتها القوات الإسرائيلية والتي أدت إلى اختفاء العشرات والذين لا يزالون في عداد المفقودين.

كانت قيادة الجيش الإسرائيلي على اطلاع كامل بما يجري داخل المخيمات حتى صباح يوم السبت 18 أيلول 1982. وكان الضباط المسئولون يتواصلون بشكل مستمر مع قيادة ميليشيا الكتائب الذين ارتكبوا المجزرة، لكنهم لم يتدخلوا لإيقافها؛ بل على العكس تمامًا فقد منعوا المدنين من الهروب من المخيمات وساعدوا قوات الكتائب بإضاءة السماء لهم خلال ساعات الليل والصباح الباكر من خلال الإنارات العسكرية.

يصعب معرفة عدد الضحايا بدقة لأن هناك 100 شخص تقريبًا تم دفنهم في قبور جماعية من قبل الصليب الأحمر في مقابر بيروت من قبل أهاليهم، ولأن هناك عددًا كبيرًا من الجثث التي دفنت تحت ركام البيوت المتهدمة من قبل ميليشيا الكتائب أنفسهم، هذا بالإضافة إلى مئات الأشخاص الذين اختطفوا وهم على قيد الحياة إلى أماكن مجهولة ولم يعودوا ولم يعرف مصيرهم.

صور قليلة تلك التي وصلتنا، خاصة الصور التي أخذها مصورو صحيفة التايم آنذاك (رابین مویر ویل فولي) والتي تمكنت من فضح حجم جريمة الاحتلال النكراء، رغم ذلك لا تزال مشاهد عشرات الجثث المتناثرة في أزقة مخيمي صبرا وشاتيلا، والمنازل المدمرة وأشلاء الفتيات الممزوجة بالطين والغبار وبرك الدماء التي تطفو فوقها أطراف أطفال مبتورة، حاضرة بكامل تفاصيلها الدقيقة في الذاكرة.

وهدفت المجزرة إلى بث الرعب في نفوس الفلسطينيين لدفعهم إلى الهجرة خارج لبنان، وتأجيج الفتن الداخلية هناك، واستكمال الضربة التي وجهها الاجتياح الصهيوني عام 1982 للوجود الفلسطيني في لبنان، وتحريض الفلسطينيين على قيادتهم بذريعة أنها غادرت لبنان وتركتهم دون حماية.

ذاكرة شهود عيان

يصف الفلسطيني وليد العوض المجزرة بأنها “الأبشع في التاريخ الإنساني”، ويقول: “قبيل المجزرة لم يكد أهالي مخيم صبرا وشاتيلا يفرغون من تضميد جراحهم الناجمة عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان حيث تعرض المخيم لقصف متواصل خلّف دمارًا هائلًا وضحايا بالعشرات على مدار 88 يومًا من الحرب والحصار لبيروت ومخيماتها”. وتابع:

رأيت أمام باب ملجأ عائلة مقداد في حي فرحات داخل المخيم، جثث العشرات من أهالي المخيم تكومت بصورة مخيفة، وامتزجت أشلاء ولحوم رجال وأطفال ونساء بطوب المنازل المهدمة بعد أن داستها جنازير الجرافات الإسرائيلية

ولا يتمالك العوض دموعه عندما تستعيد ذاكرته مشهد أدمغة الأطفال التي تطايرت على جدران منزل عائلة “سرور” على مدخل المخيم، وبركة الدماء في منزل “المغربي” خلف “دكان الدوخي” التي طفت على سطحها أطراف طفل، وذلك الرجل العجوز مبتور الساق الذي قتل وربطت جثته إلى  حمار، وإلى جانبه تكومت عشرات الجثث الأخرى التي ذبحت وشوهت وألقيت فوقها “خناجر وبلطات وسواطير” كانت بعض أدوات المذبحة.

(132)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

د. خالد النجار طبيب وكاتب، أعمل كاتبا منذ عشرين عاما في مختلف المجلات والصحف العربية والإسلامية، ولي مجموعة من الكتب المطبوعة، والآن أحرر العديد من المقالات في مواقع بالإنترنت.
مشاركة