الرئيسية سياسة أخلاق السيوف
أخلاق السيوف

أخلاق السيوف

348
0

تاريخ الصراع

تزامن عجيب بين خلق الله تعالى آدم، وبين بدء تاريخ من الصراع، الذي أصبح مُكوِّنا أساسيًا في بنية الوجود، استهله إبليس بجداله مع ربّه عزّ وجلّ، ثمّ تلاه بإعلانه لأبَدٍ من الصّراع مع آدم وذريته من بعده، وتبعه قابيل صارعًا أخاه هابيل، ومن بعدهم محاربة البشر وصراعهم مع من أُرسلوا إليهم من الأنبياء والرّسل، ودام إلى أنّ صار صراعًا مبهمًا بين البشر وبعضهم البعض.

أشكال الصراع

اتخذ الصّراع العديد من الأشكال، واستخدم الكثير جدًا من الوسائل، منها العقلي، والمادي، والنّفسي، فمن استخدام الذّكاء إلى استخدام الحيلة والمكر، ومن التّراشق بالأحجار إلى الرّجم بالصّواريخ، من نصب الشِراك البدائية إلى الهجوم الإلكتروني، وكان من أبرز أدوات تلك الصّراعات، التي اتخذت اسم الحروب في أحيان كثيرة منها، كان السّيف هو الرّمز الأقوى والأبرز في التّدليل على القوّة، والقتال، ورمز واضح الدّلالة على كلّ أدوات القتال، القديمة منها والحديثة.

وإذا قبلناه رمزًا لمجمل أدوات القتال، فإنّ الكلّ قد حمل سيفه، وفي قلب كلّ نزال أو نزاع أو حرب كان ثَمَّة سيفٌ كعنصر مشترك بين طرفي الصراع، وكلٌّ يجرِّد سيفه على خصمه، وكلٌ يقصد قلبًا يطعنه، ويرفع سيفه ملوحًا به تعبيرًا عن قوته، وتهيأه للنّزال بلا خوف.

مكانة السيف

ولكنّ السّيف آلة،رغم ما له من شريف المكانة في ثقافات عدّة وأبرزها: مكانته في الثقافة العربية، فلطالما ذكره الشعراء في قصائدهم، وصُنِّفت في أسمائه ورسومه المصنفات، وكان مجازًا للعديد من معاني القوّة، والشّجاعة، والصّرامة، والإقدام، فيقول طرفة بن العبد:

إذا ابْتَدَرَ القَوْمُ السّلاحَ وَجَدْتَني   …   مَنِيعاً، إذا بَلّتْ بقائِمِهِ يدي

بل صار رمزًا غزليًّا في بعض القصائد، وفي ذلك يقول عنترة بن شداد:

وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ   …    مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي

فَـوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها  …    لَمَعَــت كَــبارِقِ ثَغـرِكِ المُتَبَسِّمِ

أخلاق السيف

ولكن السيف، كما ذكرت آنفًا آلة صماء لا تعي مجبولة من معدن السماء الحديد فكيف  لها أن تتخلق بأخلاق وتتصف بأوصاف لا تكون إلا لبشر؟!

الأمر مرجعه إلى اليد التي تمسك بمقبض السيف، فالسيف يتخلق بأخلاق القبضة التي ترفعه، وهذه القبضة تفعل بحسب مقاصد القلب الذي يقودها، وهذا القلب يحكم بما يعتنقه من قيم ومبادئ، يَنظِمها عقيدة، فأخلاق السيف هي أخلاق صاحبه، التي تُنظِّمُ أفعال جوارحه، التي تأتمر بأحكام قلبه، التي يصوغها بباعث من عقيدته.

ولهذا كان الفارق الجلي بين أخلاق السيف المسلم، وغيره من السيوف، فهذا الحسام، اليماني، المهند الدمشقي البتار الصارم ذو الفقار لم يكن يخرج إلى غزو أو قتال إلا بعد أن يكون إلى مرفأ عقيدته يتلقى عنها ما يجب عليه وما يحرُم، وما يراعيه في نزاله، وكيف يفعل في كل أحايينه، فلا يُترك شيئًا له، فلا يفعل إلا بمقتضى المأمور به والمنهي عنه.

قانون الرسول صلى الله عليه وسلم لاستخدام السيف

فنرى رسول الله صلى الله عليه وسلم،  كان إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله عز وجل، وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال:

” اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللِه، اغْزُوا وَ لاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تَمْثُلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ ـ أَوْ خِلاَلٍ ـ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِى عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِى الْغَنِيمَةِ وَالْفَىْءِ شَىْءٌ؛ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ ” (صحيح مسلم)

إنه صلى الله عليه وسلم يضع قانونًا للسيف، ويحد له حدودًا، وينهاه عن أشياء لا تقبلها عقيدته، فيأباها قلبه، وتمتنع عنها جوارحه، إنه قانون الرحمة، والعدالة، التي يعبرون عنه اليوم بكلمة “الإنسانية”، فينسبونها إلى الإنسان، وهو، يا للعجب، الفاعل الأول للشر، ويهملون تلك القيم المنسوبة إلى الرحمن إلى العدل جل جلاله.

ولننظر بعين التدبر والفهم، كم مرحلة ذكرها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل الوصول إلى الخيار الأخير، القتال، وهذا يبين لنا المقصد الأسمى لدين الإسلام، وهو هداية البشر إلى نور الحق، وإخراجهم من جُبِّ الضلال، لا يروم خلال ذلك تحصيل مغنم مادي، أو سلطان دنيوي، ولهذا يذكر التاريخ أحوال قادة غزوا أنحاء الدنيا، لنشر الإسلام، ورجال جابوا أنحاء الأرض لتعليم الناس دين الإسلام، وخلصت حياتهم وهم فقراء، زاهدين، بعيدون عن مسالك الدنيا، وشغفهم الأعظم نيل الشهادة، أو رضا الله عليهم، أو أن يغفر الله لهم في آخرتهم.

أخلاق سيف الإسلام مع أعدائهم

تلك كانت، وما زالت، هي أخلاق سيوف الإسلام مع أعدائه، المتصلبين في عداوتهم وإصرارهم على الهجوم عليه، أخلاق تحقق كل معايير ومبادئ وقيم الإنسانية المعاصرة، والحق أنها أخلاق ولدت من رحم دين الرحمة والعدل، وليس من ذلك ما نراه اليوم من سيوف تُنعت بأنها مسلمة، وتتخذ من صدور المسلمين أغمادا لها، سيوف لا كابح لجوارحها، ولا رادع لقلوبها المشحونة بالبغضاء لكل ما يخالف مقاصدها، التي لا نرى لها أرضا في دين الإسلام، والتي تحركها عقيدة اختل ميزان العدل فيها، ونضبت منابع الرحمة في مصادرها، فطغت وولغت بنصالها الشرسة في أرواح لا تحل لها.

فتلك سيوف لا أفهام لها، ولا ألباب، تجردت في وجه أهلها، وبني جلدتها، وتغشَّاها الجهل، وسوء التأويل، فعميَت، أو اتخذت حميتها الجاهلية عِصابةً مظلمة غطَّت بها بصرها وبصيرتها معا، فلطخت نصالها بدماء معصومة، فما عادت تفعل بمقتضى ديننا الحنيف، وما باتت تُسلُّ على هَدي رسول الرحمة، صلى الله عليه وسلم.

وليس غريبا أن يبدو ظاهر تلك السيوف وَرِعًا تَقيًا أو مؤمنا، ولا أن يبدو ظاهر الحمَّالين لهذه النّصال ملتزمًا بما يجب أن يكون عليه المسلم، فهذا مما فنَّدَهُ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين قال:

” يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ” (صحيح البخاري).

فالظاهر ليس هو محل الحكم، في مثل هذه الحال، وليس هو موضع التقييم، بل الفعل والعمل، قياسا على الدستور الذي يُتخذ كأصل للعمل، وهو القرآن، والقانون الذي يعد الأساس في كيفية وحدود العمل، وهو صحيح السُنَّة، وبحسبهما ننظر إلى نتيجة الفعل، هل يتفق ودستورنا المنزَّل من لدن عليم حكيم، هل يتبع القانون الذي علمنا إياه الهادي البشير صلى الله عليه وسلم، فإن كان متفقا معهما معا كان على سبيل المؤمنين، وإن خالف، فليس بعد الحق إلا الضلال.

الغاية من استخدام السيف

والحق سيفه يحفظ الإنسان، ويحفظ عليه ماله، ويؤمنه، ويدفع عن شر المعتدي، لا يعرف غلًا ولا غيظًا ولا انتقامًا، بل عفوًا وسلامًا وتسامحًا، اتباعًا للهادي صلّى الله عليه وسلّم، في عفوه وتسامحه، إذ نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، ليستريح في إحدى الغزوات،فعلَّق سيفه في غصن من أغصانها، فحكى قائلا:

” إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللهُ” فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ” مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟” قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ، قَالَ: ” أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ “، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ.(البخاري وأحمد)

فالغاية نشر النور، والقصد بَذرُ الهُدى في قلوب البشر، والنية تحقيق صلاح الدنيا والآخرة معًا، لذلك كان لهذا السيف أخلاق رفيعة، يحرص بحسبها على نوال الجنَّة، ويعلم أن الجنَّة ثمنها الحق، والخير، والعدل، والإحسان، والإصلاح، ويعلم أن نصله أمانة، لا توضع إلا في مواضعها، وأن له حقًا يلتزم به، وأن عليه واجبات، يرعاها بمثل ما يرعى حياته، ويحفظها بمثل ما يحفظ عقيدته.


ناصر الحلواني

348

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن
ضيوف أمّة بوست

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع أمّة بوست ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد:
ommahpost[at]gmail.com ،مقالات الرأي تُعبر عن رأي الكتاب ولا تُعبر بالضرورة عن أمّة بوست.

مشاركة