الرئيسية التاريخ الإسلامي من ذاكرة الإرهاب الدولي: مذبحة صبرا وشاتيلا
من ذاكرة الإرهاب الدولي: مذبحة صبرا وشاتيلا

من ذاكرة الإرهاب الدولي: مذبحة صبرا وشاتيلا

158
0

صارت كلمة «الإرهاب» تلوكها الألسن وتصوغها الأفكار، وبرع الجلادون في توظيفها أحسن توظيف، بل وحصروها في منطقة الشرق الإسلامي، وبالإسلاميين تحديدًا، وعملت روافد إعلامهم الجبارة على إيهامنا أننا إرهابيون، وأنهم هم الأبرياء وأصحاب مواثيق حقوق الإنسان والأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية .. وعملوا أيضًا على التلاعب بذاكرة الأمة المسلمة، وطمس تاريخهم الدموي، حتى باتت مجازر الغرب نسيًا منسيًا، فإذا جاء ذكرها مروا عليها مرور الكرام، لكن الخطير أننا أيضا جهلنا هذا التاريخ الدموي، و هذا مما يحتم علينا رصدَه وتدوينه وتذكير الأجيال به دومًا، لكي لا تهتز ثقتنا بأنفسنا، ونعلم علم اليقين من هو الإرهابي حقًا، وحتى لو وُجد فينا بعض الإرهاب فإنما هو زرعُ تاريخهم الأليم وتصرفاتهم الوحشية.

السادس عشر من أيلول/سبتمبر عام 1982مـ

وقعت المذبحة الشهيرة في مخيمي صبرا وشاتيلا بلبنان، جنوب العاصمة بيروت، وعلى مدار ثلاثة أيام صُفِّيَ 3500-5000 من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ من المدنيين العُزَّل غالبهم من الفلسطينيين فضلًا عن لبنانيين، من أصل عشرين ألف نسمة كانوا يسكنون صبرا وشاتيلا وقت حدوث المجزرة.

رؤية جغرافية

صبرا..

هو اسم حي تابع إداريًّا لبلدية الغبيري في محافظة جبل لبنان، تحده مدينة بيروت من الشمال، والمدينة الرياضية من الغرب، ومدافن الشهداء وقصقص من الشرق، ومخيم شاتيلا من الجنوب. يسكن الحي نسبة كبيرة من الفلسطينيين، لكنه لا يُعد مخيمًا رسميًّا للاجئين، رغم ارتباط اسمه باسم شاتيلا؛ و هذا مما يولد انطباعًا بكونه مخيمًا.

تعود التسمية إلى عائلة «صبرا» التي أطلق اسمها على شارع صبرا الذي يمر في قلب الحي، بادئًا في حي الدنا في منطقة الطريق الجديدة ببيروت، ومارًّا بساحة صبرا وسوق الخضار الرئيسي، ومنتهيًا عند مدخل مخيم شاتيلا. ويُسمى الشارع في المسافة بين ساحة صبرا وشاتيلا بآخر شارع صبرا.

شاتيلا ..

هو مخيم دائم للاجئين الفلسطينيين، أسسته وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين (الأنروا) عام 1949م؛ بهدف إيواء المئات من اللاجئين الذين تدفقوا إليه من قرى أمكا ومجد الكروم والياجور في شمال فلسطين بعد عام 1948م. يقع مخيم شاتيلا جنوب بيروت عاصمة لبنان.

فبعد مرور شهور على النكبة، ولما ازدادت الحاجة إلى وجود أمكنة للسكن، تبرع سعد الدين باشا شاتيلا بأرض له، تُعرَف منذ ذلك التاريخ حتى اليوم بمخيم شاتيلا .. أرض المخيم نصفها مؤجَّر من قبل الأونروا، والنصف الثاني ملك لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمخيم معروف بأنه المكان الذي حصلت فيه «مذبحة صبرا وشاتيلا» في سبتمبر 1982م، إضافةً لأحداث الحرب الأهلية اللبنانية عام 1982م، وحرب المخيمات بين عامي 1985م حتى 1987م.

لا تزيد مساحته عن كيلو متر مربع، ويسكنه أكثر من 12000 لاجئ، وبذلك يكون المخيم من أكثر المناطق كثافة بالسكان. وفيه مدرستان فقط، ومركز طبي واحد. وتعاني ظروف الصحة البيئية في المخيم من سوء حاد؛ فالمساكن رطبة ومكتظة، والعديد منها تحتوي على قنوات تصريف مفتوحة. ونظام الصرف الصحي بالمخيم بحاجة إلى توسعة كبيرة؛ و يجري حاليًّا تنفيذ مشروع للبنية التحتية في المخيم؛ بهدف توسعة شبكة الصرف الصحي ونظام تصريف مياه الأمطار وشبكة المياه.

أحداث المذبحة

بعد اجتياح الكيان الصهيوني لبنان في 6/6/1982 .. وصلت قواته مشارف العاصمة بيروت، وكانت ذريعة الاجتياح قيام أحد الفلسطينيين بإطلاق النار على الدبلوماسي الصهيوني في لندن شلومو آرغوف، لتدخل بعدها القوات الصهيونية الأراضي اللبنانية، وترتكب أفظع الجرائم بحق الشعب اللبناني واللاجئين الفلسطينيين.

بعد صمود القوات الفلسطينية والقوات الوطنية اللبنانية لمدة شهرين، قام المبعوث الأمريكي فيليب حبيب بالتوسط بين الطرفين، وقد توصل الأطراف إلى اتفاق نص على انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت تحت إشراف القوات متعددة الجنسيات والتي ستحل مكان قوات المنظمة.

وقد تضمنت اتفاقية حبيب تسليم بيروت الغربية للجيش اللبناني، وتعهد حبيب باسم دولته (الإدارة الأمريكية للرئيس ريجان) بضمان سلامة المدنيين الفلسطينيين في المخيمات بعد خروج القوات الفلسطينية منها. انتهت عملية إخراج عناصر منظمة التحرير من بيروت في 1 أيلول 1982.

في 10 أيلول 1982 تركت القوات متعددة الجنسية بيروت، في اليوم التالي أعلن شارون أن: “ألفي إرهابي قد بقوا في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في منطقة بيروت”.

في يوم الأربعاء 15 أيلول، اليوم الذي تلا اغتيال الرئيس اللبناني بشير جميل، قامت القوات الإسرائيلية باحتلال بيروت الغربية ومحاصرة مخيمات صبرا وشاتيلا، بعد أن خرج جميع أعضاء المقاومة المسلحة وتعدادهم تقريبًا 14000 مقاتل من بيروت وضواحيها، والذين كانوا يضمنون أمن وأمان أهالي المخيمات.

في 23/8/1982 وتحت إشراف الاحتلال الصهيوني انتُخب المترشح الوحيد لرئاسة لبنان البشير الجميل رئيس حزب الكتائب، لكنَّه اغتيل يوم 14 سبتمبر قبل تسلمه السلطة، على يد المسيحي الماروني حبيب الشرتوني، الأمر الذي أدخل لبنان في دوامة فوضى جديدة كانت تعيشها أصلًا، فقرر إيلي حبيقة وسمير جعجع القياديان في حزب الكتائب استغلال الظرف وتنفيذ أجندتهم الدموية بحق الفلسطينيين بالاتفاق مع الكيان الصهيوني وجيش لبنان الجنوبي بقيادة الرائد سعد حداد.

وبعيدًا عن أعين وسائل الإعلام، حاصر المخيمَين دباباتُ الجيش الصهيوني بقيادة وزير الحرب آرئيل شارون ورئيس الأركان وروفائيل إيتان، لمنع خروج أي أحد، وأُنيرت الأجواء ليلًا بواسطة القنابل المضيئة، ودخلت ثلاثة فرق من الكتائب وجيش لبنان الجنوبي كل منهم يتكون من خمسين مسلحًا، وأخذوا يعيثون في الأبرياء العزل قتلًا، وقد كان المجرمون يكبلون الفتيات بالسلاسل قبل أن يغتصبوهن بوحشية ويقطعون أجسادهن بالسكاكين.. هكذا كان وصف الثلة القليلة التي نجت من المذبحة.

كل هذه الدماء والأشلاء بذريعة البحث عن ألف وخمسمئة مقاتل فلسطيني بينما كان المقاتلون الفلسطينيون خارج المخيم في جبهات القتال، ولم يكن في المخيم سوى الأطفال والشيوخ والنساء، وكانت الجثث ملقاةً في شوارع المخيم، ومن ثَمَّ دخلت الجرافات الصهيونية لجرف المخيم وهدم المنازل لإخفاء الجريمة.

يتفق المؤرخون والصحفيون أن الاتفاق بين القيادة العسكرية الإسرائيلية وحزب الكتائب اللبناني وجيش لبنان الجنوبي لتصفية المخيمات الفلسطينية عُقد في اجتماع بين آرئيل شارون وبشير الجميل في «بكفيه» بتاريخ 12 أيلول. بعدها صرح شارون في 9 أيلول أنه كان ينوي إدخال قوات الكتائب إلى بيروت الغربية، ويؤكد في كتاب مذكراته أنه ناقش العملية مع الجميل في اجتماع بكفيه.

في تصريحاته للكنيست بتاريخ 22 أيلول 1982، صرح شارون أن قرار دخول الكتائب للمخيمات صدر يوم الأربعاء 15 أيلول 1982 في الساعة الثالثة والنصف عصرًا. صرح شارون أيضًا للجنة كاهن الإسرائيلية التي قامت بتقصي حقائق المجزرة أنه قد أصدر القرار التالي للقيادة العسكرية الإسرائيلية: “يمنع على الجيش الإسرائيلي دخول المخيمات؛ لأن الكتائب والقوات اللبنانية ستقوم بعملية تنظيف المخيمات.”

 

158

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

د. خالد النجار طبيب وكاتب، أعمل كاتبا منذ عشرين عاما في مختلف المجلات والصحف العربية والإسلامية، ولي مجموعة من الكتب المطبوعة، والآن أحرر العديد من المقالات في مواقع بالإنترنت.
مشاركة