الرئيسية شخصيات وأعلام رسالة: مجاهدة وداعية في الأَسْرِ
رسالة: مجاهدة وداعية في الأَسْرِ

رسالة: مجاهدة وداعية في الأَسْرِ

769
0

«رسالة» : شخصية نادرًا ما تجد أحدًا يعرفها أو حتى قد سمع عنها، وهذه الشخصية تمثل العزم مع قلة الحيلة، تمثل قوة الإيمان بالله تعالى مع الضعف الشديد، تمثل التعلق بالله تعالى في الوقت الذي قُطعت فيه كل حبال الدنيا، فهذه الشخصية التي نحن بصدد الحديث عنها، تَردُّ على كل أمٍ وكل امرأةِ بل وكل رجلٍ يقول:

ماذا أستطيع أن أفعل لنصرة دين الله تعالى؟ وماذا أكون أنا لأنصر دين الله وأنا قليل الحيلة وأنا ضعيف ولا أقوى على شيء؟!.

شخصيتنا هنا هي امرأة ولكنها عظيمة، سطّرت اسمها بحروف من نور، ويُكتب لها بإذن الله تعالى أجرًا وثوابًا عظيمًا لألوف مؤلفة دخلت في دين الله تعالى في ميزانها بإذن الله، رغم أنها لم ترى أيًا من هؤلاء ولم تقابلهم يومًا.

رسالة ووالدها

فشخصيتنا التي سنتحدث عنها، اسمها رسالة وهي حقًا رسالة، فهي رسالة بنت علاء الدين خوارزم شاه، وعلاء الدين هذا كان أحد ملوك الخوارزميين، الذين اتسعت الدولة الخوارزمية في عهده حتى ضم أفغانستان وتوسع في بلاد ما وراء النهر حتى وصل إلى أطراف منغوليا ثم ضم سمرقند حتى تحدى جنكيز خان قائد القوات المنغولية آنذاك.

وقامت الحرب بينهم، فمرة يُهزم ومرة ينتصر ولكنها المشكلة الكبرى التي يقع فيها المسلمون دائماً ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهي مشكلة وحدي وحدي، فقد تركه المسلمون وحيدًا يُحارب وهذه هي الطامة الكبرى، وفي النهاية جاءت الهزيمة الساحقة على علاء الدين، الذي من قبل أيضًا لم يقف بجوار المدن والبلدات التي بجواره من المسلمين وتركهم أيضًا بل حاربهم وعاندهم في بعض الأمور وبعض الأحوال.

بين الوالد والابنة

لما أيقن علاء الدين بالهزيمة هرب إلى جزيرة نائية ومات ودفن بها عام 1220م وترك الحكم لابنه جلال الدين ليحارب التتار، وعلاء الدين بعد هزيمته، قضى أيامًا كئيبة يتذكر ما مضى من حياته ولا يكاد يصدق ما حدث له من محن، وما حل به من كوارث، ولم يجد سلوى إلا في البكاء الحار لعله يخفف ما في نفسه من ألم وحسرة.

داعيةٌ في الأَسْرِ

ورسالة هذه التي هي محور حديثنا هي ابنة علاء الدين التي وقعت في الأسر مع أسرتها على يد المغول بقيادة ” جوجي” قائد جيش المغول -المنتصر على والدها علاء الدين -. جوجي هذا قرر الزواج من رسالة بالإكراه، فعاشت مع أسرة جوجي، وكان لها تأثيرًا كبيرًا في نفوس أبنائه “باتو وبركة خان” بالخصوص وغيرهما أيضًا، فهي وإن كانت أسيرة في قصر أعدائها إلا أنها تمسكت بدين الإسلام تمسكًا كبيرًا قدر استطاعتها، وخاصةً وهي أسيرة.

ولمّا رأى أولاد جوجي ذلك، وقع في نفوسهم حُب الإسلام والمسلمين، فكان باتو-الابن الأكبر لجوجي–عطوفاً على المسلمين؛ بالرغم من أنه لم يعتنق الإسلام، ولكن كان أثر تربية رسالة له ولأنها مسلمة أثراً كبيرًا على المسلمين وخصوصاً في ذلك الوقت، حيث كانت المذابح تُقام من قِبل التتار ولا يُعد ولا يُحصى أعداد المقتولين من المسلمين. وعلى سبيل المثال: دخل المغول مدينة مرو وكان عدد سكانها من المسلمين آنذاك سبعمائة ألف، فلمّا دخلها المغول قُتِلَت المدينة عن آخرها، فقد قُتلت سبعمائة ألف وفنيت المدينة تماماً.

المغول

فأنْ توقع رسالة حُب المسلمين في قلوب أبناء جوجي وأبناء التتار، فهذا في حد ذاته إنجازًا عظيمًا، فكان باتو يحب المسلمين ولا يُوَقِّع عليهم أي عذاب. أما بركة خان فقد تأثر أيضًا تأثرًا شديدًا بـ(رسالة) التي ربّته، ورأت فيه بوادر حب الإسلام، فشدّت أزرها على هذا الأمر حتى اعتنق الإسلام، فأسلم بركة خان فأصبح فيما بعد من ملوك التتار المسلمين، وكان له بالغ الأثر في تقوية دعائم الإسلام، ودخول أعداد كبيرة جدًا من التتار إلى الإسلام والتي عُرفت بعد لك بـ (القبيلة الذهبية)، وكانت تضم مساحات كبيرة جدًا من روسيا وأوكرانيا ومولدوفا وكازاخستان والقوقاز. ومما فعله أيضاً بركة خان آنذاك: مبايعة الخليفة العباسي، وصك العملة باسمه، والزجّ عن المسلمين، بل وأيضًا معاونة المسلمين ضد التتار أنفسهم.

التربية عند المُسْلِمات

فهذه هي تربية المرأة المسلمة الثابتة على الحقّ رغم ما عانت (رسالة بنت علاء الدين خوارزم شاه)؛ رسالة التي جاهدت قدر استطاعتها، ولكن سبحان الله كان لهذا الجهاد أعظم الأثر في نصرة الإسلام والمسلمين، فهذه الشخصية قد تُرِكت في الأسر، ولكنها لم تنسى دعوة الإسلام التي كانت لها أثرًا بالغًا في النفوس، وفي تقليل معاناة المسلمين بفضل الله تعالى، ثم بفضل تربية هذه المرأة المسلمة التي ربّت أبناء التتار مثل: بركة وباتو الذين منهم من أسلم ومنهم من رحم المسلمين.

وقد علّق أحد المؤرخين على هذه الشخصية قائلاً:

وحقا، إن لله جنودًا لم تروها، فمن كان يفكر في أن سبيةً قد أُخِذت في الحرب قهرًا فكان أخذها انتهاكًا لحرمات المسلمين وأعراضهم، هي نفسها التي ستفتح بابًا عجزت سيوف الدول والرجال أن تفتحه؟؟

فـرسالة قد نسيها العالم أجمع ولكنها تعلقت برب العالم ورب الناس، فأكرمها الله تعالى بأن أسلم على يديها بركة خان الذي أسلم على يديه ألوف مؤلفة وكون القبيلة المغولية المسلمة (القبيلة الذهبية)، فكل ذلك إن شاء الله تعالى في ميزان رسالة بنت علاء الدين فرحم الله رسالة، ورحم الله بركة خان، ورحم الله القبيلة الذهبية، واسأل الله تعالى أن تكون رسالةٌ هذه بمثابة رسالة في النفوس والقلوب والعقول كي يعيها الشباب، وتعيها النساء، ويعيها الرجال؛ أنه يجب أن نفعل شيئًا لدين الله عز وجل ولو كان قليلًا فلنفعل قدر استطاعتنا والله تعالى المستعان.


المقالة هي تفريغ صوتي لحلقة من اليوتيوب مع عدة إضافات أضافها الكاتب.

رابط الحلقة: الحلقة الحادية عشر من حلقات برنامج شخصيات حق علينا معرفتها ” _رسالة بنت علاء الدين_”


إعداد: عبد الفتاح سعيد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

ضيوف أمّة بوست يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع أمّة بوست ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: ommahpost[at]gmail.com ،مقالات الرأي تُعبر عن رأي الكتاب ولا تُعبر بالضرورة عن أمّة بوست.
مشاركة
mautic is open source marketing automation