الرئيسية مقالات الرأي المؤسسات الدينية الرسمية أبواق الأنظمة
المؤسسات الدينية الرسمية أبواق الأنظمة

المؤسسات الدينية الرسمية أبواق الأنظمة

377
0

دور الحكومات القمعية

تعمل الدول والحكومات في الأنظمة القمعية على أن تكون السُّلطة العليا والوحيدة في البلاد، فلا تسمح أو تترك مجالاً لجهة من الجهات أن يكون لها أي دور تنظيميٌ أو إداري أو تنفيذي إلا تحت عباءتها وإشرافها المباشر، وبما يتوافق تماماً مع منهجيتها وسياستها العامة التي تدير بها البلد ..
تستوي في ذلك مؤسسات الدولة الرسمية من قضاء وإعلام ووزارات وهيئات حكومية أو مؤسسات مجتمعٍ مدني، أو حتى جهاتٍ مستقلة تعمل في أي مجالٍ من المجالات ..وكلما زادت الحكومة قمعاً وتضييقاً على الحريات .. كلما “كوّشَت” على كل شيء في المجتمع..
ولأننا نحن في بلداننا العربية من أكثر مناطق العالم استبداداً، وكبتاً للحريات، وتحكّماً في كل ما يدور في الدولة من أحداث، فمن البديهي أن تكون نسبة “التكويش” أعلى.

دور المؤسسات الدينية

المؤسسات الدينية هي واحدة من أهم المؤسسات التي تسهم في التأثير على المجتمع وتوجيه دفة خياراته، ونحنُ في ديننا لا مجالَ لعزل الدين عن حياة الناس، فمحاولات علمنة المجتمعات المسلمة وإبعاد الدين عن حياتها العمَليّة تبوء بالفشل، ولا تؤدي النتيجة المرجوّة منها.
ولا يتوقف دور المؤسسات الدينية على جانب معين، بل تعمل على كافة الأصعدة الشرعية والاقتصادية والمجتمعية والتعلمية وتمس حياة الناس في كل النواحي، ولذلك فلها تأثيرها الأبلغ على حياة الفرد والمجتمع والأمة.

موقف الأنظمة من المؤسسات الدينية

ومن ثمّ فقد لجأت الأنظمة منذ وقتٍ مبكّر إلى إضعاف المؤسسات الدينية بغية السيطرة عليها والتحكم في مخرَجاتها ومواقفها، وتحويلها إلى أبواق للنظام.
عملت الحكومات على إضعاف وتفكيك مصادر القوى للتيار الديني بشتى الوسائل المتاحة بغية إضعافها، مستخدِمةً العديد من الطرق والوسائل لتنفيذ مخططها لتطويع هذه المؤسسات.
وكمثال على ذلك فإنّ أهم بلدين لهما ثقلهما الأكبر وللمؤسسات الدينية فيهما تأثيرٌ عام على الأمة بمجملها هما مِصرُ والسعودية ..
فقد نجحت الأنظمة في السيطرة على هذه المؤسسات، وتمكنت من جعلها مجرد أداةٍ من أدوات السلطة.

كيفية سيطرة الأنظمة القمعية على المؤسسات الدينية

في مصر

_  بدأ محمد علي أول حملات التضييق على مؤسسات الأزهر عبر القضاء على علمائه فتخلّص منهم بالقتل أو السّجن أو الإبعاد.
_  في عهد عبد الناصر بدأت الخطوات العملية للسيطرة على المؤسسات عام ١٩٥٥ بقرار إلغاء المحاكم الشرعية ما اعتُبر أكثر الضربات إيجاعاً للمؤسسات الدينية.
_  ثم تبعه عام ١٩٥٧ بقرار حل الأوقاف الأهلية والتي يستَمدُّ منها الأزهرُ دعمه المالي مما جعله عمَلياً أسيراً للدولة التي تنفق عليه

_ ثم تبع ذلك صدور قانون تطوير الأزهر الذي سمح بتحويله من مؤسسةٍ دينية إلى توسيعِ نطاقه ليُصبح مؤسسةً عامةً من مؤسّسات الدولة، وأعطت المجال للدولة بالتغلغل في نظامه الداخلي حسب مصالحها.

_ ثم تبعه عام ١٩٦١ القانون الذي يعطي للرئيس الحق في اختيار شيخ الأزهر، ليتحكّم في واجهة المؤسسة والصوت الأعلى فيها!.

 وبهذا أحكم النظامُ عمَليّاً سيطرته على مؤسسة الأزهر -التي تُعتبر المؤسسة الدينية الأكبر والأعرق في العالم الإسلامي- وحوّلها من مؤسّسةٍ شرعية مستقلة إلى جهة تابعة للنظام تحت سلطته وتأثيره.

ومن درس تاريخ الأزهر وعلاقاته بالسلطة الحاكمة منذ نشأته يرى أنها مرت بمراحل كثيرة من المد والجزر لكنها لم تكن تخلو من شيء من الاستقلالية في القرار يظهر هذا في المَوجات الاحتجاجيّة التي كان يقودها الأزهر وعلماؤه ضد السلاطين المماليك والعثمانيين الذين حرصوا طوال تاريخهم أن يخطبوا ودّ تلك المؤسسة التي كانت لها استقلاليتها التامة حتى في مصادر تمويلها التي كانت تعتمد على أوقاف ضخمة تديرها بنفسها.

في السعودية

_ بدأ أول استخدام فعلي من قبل الحاكم للعلماء في معركته مع حركة “إخوان من طاع الله” حيث استخدم المشايخ والعلماء للطعن والتشهير بهم إلى حدّ إصدار أحكام بتكفيرهم وإخراجهم من الملّة!
_ ثم بدأ الملك عبد العزيز في استحداثِ وتعيين “المُفتي” أكبر منصب شرعي في البلاد عام ١٩٠٢ هو الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف.
_  وفي عام ١٩٧٠ أصدر الملك فيصل قراراً بتشكيل هيئة كبار العلماء، لتتسلّم أمر الفتوى في البلاد، وتم توسيع عملها تدريجاً إلى أن أصدر الملك عبد الله قراراً “بحصرِ” الفتوى في البلاد على هذه الهيئة.
_ أنشأت الحكومة عام ١٩٤٠ دائرة مختصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتضيّق الخناق على الدعاة والوعاظ المستقلّين وشؤون الحسبة، ثمّ عملت على تضييق الخناق تدريجياً على عمل الهيئة ونشاطها، حتى وصل الأمر في عهد الملك سلمان إلى حصر صلاحياتها في النصح والتوجيه اللفظي فقط!.
_ كما أوكلت معظم ما يتعلق بالأمور الشرعية لوزارة الشؤون الإسلامية لتجعل أيّ عملٍ دعوي -ولو كان درساً صغيراً في مسجد- خاضعاً لسلطتها، غير مأذون به إلا بموافقتها.
_  تم ضبط المرجعية الدينية وتأطيرها ضمن ضوابط معينة على يد الأنظمة فاستحدث منصب خاص باسم “مفتي الديار” ، وأوكلت له عدد من المهام الحكومية وأنشئت دائرة مختصة بالإفتاء ليعمل ضمنها.
_ تتلقى الجهات الدينية الرسمية دعماً سخياً من الأنظمة لمساعدتها على فرض توجهاتها في الداخل والخارج، فإذا كانت دولة مثل الأردن على سبيل المثال تنفق ما يفوق المليار دولار سنوياً على المعنيين بالمؤسسات الدينية فكيف بدولة مركزية كمصر والسعودية التي تزيد فيها عدد الوظائف الدينية عن ربع مليون وظيفة.

مظاهر سيطرة الأنظمة على المؤسسات الدينية

نتيجة هذه الجهود الضخمة، والخطط المتراكمة في التضييق والتحكم نتجت صورة مشوهة عن الإسلام صادرة عن المؤسسات الدينية الرسمية تمثلت بعض مظاهرها في ..
_ تحكم الدولة في اختيار شيخ الأزهر والمفتي والمناصب الدينية المختلفة كوزارات الأوقاف وأئمة الحرم، ما يعطي للحاكم الحرية التامة في اختيار ما يوافق مسيرته ويتماشى مع أهدافه.
_ التأثير على المؤسسة الدينية ومنعها من ممارسة سلطاتها بحرية، وإضعاف دورها وتأثيرها في المجتمع.
_  العمل على نشر وتقوية المذهب الإرجائي في المؤسسات الدينية والجامعات والوسائط التابعة لها، وتسويد وتمكين أقطاب هذا المذهب لتسنّم المناصِب العلمية وقيادة الجامعات والوزارات الشرعية والإعلام، لتساهم هذه المدرسة في مزيد من التثبيت لأركان النظام.
وفي مصر ترعى المؤسسات الدينية التصوف، وتحارب المدارس السلفية والحركية كافة، فالأزهر يقوم على قدم وساق على دعم التصوف ومشايخه من مشاهير العائلات الصوفية، والأوقاف تعمل بكفاءة على دعم الفرق الصوفية وتنشر المذهب وتعمل له الاحتفالات والموالد.
_ تعيين أشخاص غير متخصصين في مناصب ومقامات دينية، فمثلاً وزارة الأوقاف في مصر أوكِلت إلى عدد من الضباط والمهندسين وخريجي الجامعات الحقوقية، وفي السعودية أوكِلت وزارة العدل إلى العيسى وأمثاله من دارسي القانون الدولي، وعينت من أئمة الحرم من ليس أهلاً للإمامة وأبعدت كثيراً من الأكفاء… وهكذا.
_ استخدام المؤسسات والمنابر والمناسبات والمواقف الدينية للدعاية للنظام والدفاع عنه ودعم مواقفه وإرساء الصبغة الشرعية عليها.
_ انحياز كل مؤسسة دينية إلى جوار السلطة التي تتبع لها، وإضفاء طابع الشرعية الكامل عليها، مهما كانت درجة تقلباتها، أو بُعدِها عن الشريعة.
_ تحولت المؤسسات الدينية إلى مؤسسات تتولى مسؤولية تعبئة الأفراد لتأييد سياسة الحاكم، وإخضاعهم لمشاريعه.
_ إصدار الفتاوى الموافقة لهوى الأنظمة: ففي مصر مثلا أصدر شيخ الأزهر فتوى بسحب الجنسية من محمد نجيب بعد الانقلاب عليه، وأصدر بيانات ضد الإخوان في عهد عبد الناصر، وفتوى باعتبار سيد قطب من الخوارج، ثم تأييد معاهدة السلام مع اليهود ..ثم جاء طنطاوي فأصدر سلسلة طويلة من المواقف والفتاوى تسير إلى جانب الدولة في كل خطوة تخطوها، ثم جاء موقف الأزهر بعد الثورة ليكرس الجهود في خدمة النظام ومعاونته على العودة للسلطة.
_ وفي السعودية تتابعت المواقف صعوداً ونزولاً مع المواقف الرسمية .. فحين كان هوى النظام مع الوقوف ضد روسيا أطبقت الهيئات العلمية والجهات الرسمية بإصدار الفتاوى المشرعنة للجهاد في أفغانستان ضد الروس، وحين احتلّها الأمريكان تحولت الفتاوى مائة وثمانين درجة ليصبح الأمر معصيةً وإثماً عظيما.
والأمثلة والشواهد على هذا لا يمكن حصرها في مقالة مختصرة.
_ لم يُعهد على المؤسسات الدينية الرسمية الدخول في صراعٍ أو مواجهة مع النظام الحكومي أو مع السلطة على وجه التحديد؛ بل مواقفها وآراؤها ومسيرتها الدينية متوافقة تماماً مع مسيرة الحكام في مختلف القضايا سواء كانت قضايا سياسية أو عقدية أو قتصادية أو أحداث اجتماعية.
_ وصل الأمر إلى قيام بعض المؤسسات الدينية إلى درجة من التبعية المخجلة بقيامها بفصل بعض الشخصيات العلمية وإصدار الفتاوى فور قيام الأنظمة السياسية بتغيير مواقفها، في صورة غاية في الامتهان للمرجعية الدينية باستخدامها كـ ممسحة يستخدمها النظام لتلميع نفسه.

وهكذا تمكنت الأنظمة من السيطرة على المؤسسات الدينية الرسمية بشكل تام لترفع عن كاهلها العبء الأكبر أمام شعوبها، وتفرِغ جهودها لملاحقة أفراد العلماء، والمؤسسات والجهات العلمية “غير الرسمية” لتمارس التضييق عليها لإخضاعها لمسيرتها، أو الزجّ برموز المعارضين لها في مضايق السجون، والتضييق عليهم بكافة الوسائل ليخلو لها الجو .. فتعربد كيف شاءت ..

كتب هذا المقال على أمة بوست بواسطة الكاتب عبد الرحمن الصالح

377

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

ضيوف أمّة بوست يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع أمّة بوست ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: ommahpost[at]gmail.com ،مقالات الرأي تُعبر عن رأي الكتاب ولا تُعبر بالضرورة عن أمّة بوست.
مشاركة