الرئيسية مقالات الرأي مسالك الإضلال في مسألة الديموقراطية
مسالك الإضلال في مسألة الديموقراطية

مسالك الإضلال في مسألة الديموقراطية

243
0

من أسباب رواج بعض المذاهب الفكرية المعاصرة كالاشتراكية والديمقراطية في بلاد المسلمين – هو سلوك بعض مفكري الإسلام ومشايخه طريقًا مضلا – سواء قصدوا أو لم يقصدوا – حيث يقع تلبيس وتلفيق المذاهب وإلصاقها بالإسلام – غالبًا – من مدخلين:

  • استخدام الألفاظ المجملة التي لم ترد في الكتاب والسنة.
  • تركيب المسائل الخاطئة على أدلة صحيحة أو العكس.

ففي المدخل الأول استُخدم لفظ الديمقراطية كتعبير عن معنى الحرية في اختيار الحاكم وتم تلفيقه مع الشورى في الإسلام، كما استخدم لفظ الاشتراكية كتعبير عن العدالة الاجتماعية وتم إلصاقه بالإسلام لتخرج لنا الاشتراكية في الإسلام على أساس أن الإسلام يقر مبدأ العدالة الاجتماعية.

وهكذا في كل مذهب فكري مستورد ودخيل ستجد له ترقيعًا وتلفيقًا يناسبه وذلك لأسباب اجتماعية وفكرية وتاريخية.

 وأيا كانت الأسباب لهذا التلفيق والترقيع فالذي يهمنا هنا هو كيف تم هذا التلفيق؟ وليكن مثالنا هنا الديمقراطية، فالقضية هي الحرية في اختيار الحاكم، وهذه المسألة وحدها هي القضية المحورية والمدلول الأكبر لمعنى الديمقراطية عند أغلب الأذهان والتصورات، وقد تشكل وعي كثير من المسلمين وفق هذا المعنى وطالبوا بالديمقراطية بناء على هذا التصور، أي أنهم أرادوا القول: نحن نريد الحرية في اختيار من يحكمنا، والديمقراطية كمذهب له مدلولات باطلة وأخرى قد يظن أنها حق، ولذلك تدخل كلمة الديمقراطية ضمن الكلمات المشتركة والمبهمة التي يتوجب الاستفسار والاستفصال عن مقصد قائلها؟

فلو طرح سؤال: هل للرعية الحرية في اختيار الحاكم في الإسلام؟ لكان الجواب بنعم.

ولو طرح السؤال هل للرعية الحرية في اختيار الحاكم في الديمقراطية؟ لكان الجواب بنعم؛

فينتج عن هذا التصور أن الإسلام يتطابق في بعض أحكامه مع الديمقراطية!

وسبب ذلك الإجمال والتشابه والاشتراك، وهو منشأ الضلالة في رواج هذا المذهب واستساغته لأن الجواب عن هذا السؤال كان يجب فيه الاستفسار عن المقصد، فنقول: هل المقصود بالرعية كل الرعية تبدي رأيها وتختار أم نخبة مختارة من أهل الحل والعقد؟ ثم هذه النخبة ما صفاتها؟ وهل كل حاكم يصلح أن يكون حاكمًا حتى ولو تم اختياره؟ وماذا عن طريقة العزل في حال توجب ذلك؟

كل هذه أسئلة ينبغي أن تطرح للاستفسار عن مقصد السائل باعتبار أن الإسلام أجاب عن هذه الأسئلة، وبذلك يرفع الالتباس والإبهام

مسلك الإجمال والإبهام لتمرير الضلالة   

 وهذا المسلك قد سلكه أهل البدع قديمًا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهل الحلول والاتحاد وأمثالهم: “وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة بل وهم أيضا لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه ولهذا يتناقضون كثيرا في قولهم” اهـ، مجموع الفتاوى.

ويقول أيضا: “وبالجملة فمعلوم أن الألفاظ ” نوعان “: لفظ ورد في الكتاب والسنة أو الإجماع فهذا اللفظ يجب القول بموجبه سواء فهمنا معناه أو لم نفهمه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقا والأمة لا تجتمع على ضلالة.

والثاني: لفظ لم يرد به دليل شرعي كهذه الألفاظ التي تنازع فيها أهل الكلام والفلسفة هذا يقول: هو متحيز، وهذا يقول ليس بمتحيز، وهذا يقول: هو في جهة، وهذا يقول: ليس هو في جهة، وهذا يقول: هو جسم أو جوهر، وهذا يقول: ليس بجسم ولا جوهر، فهذه الألفاظ ليس على أحد أن يقول فيها بنفي ولا إثبات حتى يستفسر المتكلم بذلك فإن بين أنه أثبت حقا أثبته وإن أثبت باطلا رده وإن نفى باطلا نفاه وإن نفى حقا لم ينفه وكثير من هؤلاء يجمعون في هذه الأسماء بين الحق والباطل: في النفي والإثبات” اهـ، مجموع الفتاوى.

وهكذا في أي مذهب فكري مضل قد يكون فيه بعض معاني الحق وأخرى باطلة، بل يغلب عليها البطلان.

مسلك تركيب الدليل على المسألة في الديمقراطية

 أما المدخل الثاني المستخدم في التلفيق والتلبيس فهي قضية المسائل والدلائل وقد أشرنا إليها في المقال السابق، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: [لكن المعلوم من حيث الجملة: أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوًا وقولا للباطل وتكذيبًا للحق في مسائلهم ودلائلهم؛ لا يكاد -والله أعلم -تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك.

وأذكر أني قلت مرة لبعض من كان ينتصر لهم من المشغوفين بهم -وأنا إذ ذاك صغير قريب العهد من الاحتلام -كل ما يقوله هؤلاء ففيه باطل إما في الدلائل وإما في المسائل إما أن يقولوا مسألة تكون حقا لكن يقيمون عليها أدلة ضعيفة وإما أن تكون المسألة باطلا] اهـ، مجموع الفتاوى.

وفي مسألة الديمقراطية طُرحت مسألة: الحرية في اختيار الحاكم، وهي مسألة رغم أنها مبهمة كما ذكرنا سابقًا إلا أنها تحمل بين طياتها حق يقرُّه الإسلام وباطل لا يقرّه، ثم تم تركيب أدلة صحيحة على مسألة مبهمة كهذه، وهي أدلة الشورى في الإسلام للاستدلال بها على وجود ديمقراطية في الإسلام، وهكذا يدور الجدل في حلقة مفرغة لعدم تحرير محل النزاع والاستفصال عن المقصود، فتارة يتخاصم المتجادلان أحدهما حول المسألة وصحتها، والطرف الآخر يناقش في الأدلة وصحتها!

وكلاهما لم يستطع أن يبين لصاحبه أصل النزاع ومكمن الخطأ ومنشأ الضلالة.

وتفنيد المسألة هو أن الأدلة صحيحة ولكن ليس فيها ما يقر هذا المذهب على صورته الحقيقية على التحقيق.

وبهذا يتبين أن مسالك الإضلال لم تتغير كثيرا بين القديم والمعاصر، وما أردته من ضرب هذه الأمثلة هو استنهاض الهمم وبذل الجهد في استخراج هذه المسالك والوقوف عليها من كلام أهل العلم المحققين كابن تيمية وابن القيم والشاطبي ومن له عناية من أهل السنة بهذا الشأن من كشف مثارات الشبه ومسالك الإضلال.


طلعت الخطابي

243

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

ضيوف أمّة بوست يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع أمّة بوست ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: ommahpost[at]gmail.com ،مقالات الرأي تُعبر عن رأي الكتاب ولا تُعبر بالضرورة عن أمّة بوست.
مشاركة