الرئيسية تقارير دروس وعبر من سقوط حلب الشرقية
دروس وعبر من سقوط حلب الشرقية

دروس وعبر من سقوط حلب الشرقية

345
0

إن سقوط جزء من حلب بيد عصابات نظام آل الأسد وشركائه، أو حتى سقوط كل حلب بيده، لا يعني نهاية الثورة، فالحرب سجال، مرة لك ومَرَّة عليك، لكن الأهم أن الانهزام في معركة أو معارك لا يجوز أبدا أن يتجاوز الخسارة المادية وخسارة الأرواح وخسارة الأرض إلى خسارة المنهج و المبدأ، فالمنهج يموت مع أهله (حامليه) فقط. فقد تقتضي الحرب خسران مناطق أو الانسحاب منها (مؤقتًا) لعودة الكَرَّة بعد حين، كما فعل مثلُا الصحابة قُبيل معركة اليرموك، حيث انسحبوا من مناطق من الشام كانوا قد فتحوها كحمص وغيرها وأعادوا الجزية لأهلها، ليجتمعوا في جيش واحد عند اليرموك يقوى على مواجهة جيش الروم الضخم!

لكن المبدأ والمنهج لا “يُنسحب” منه أبدا، فهو الخط الأحمر لدى أصحاب العقيدة، لا يُتفاوض عليه، ولا يُساوم فيه، ولا تروق عيشة بدونه، فالمبدأ والمنهج يهلك أصحاب العقيدة دونه!

فالانهزام في معارك وخسارة مناطق ليس بالأمر الكارثي إذا كان سبب الهزيمة ضعف خطة عسكرية ميدانية أو يرجع لقوة العدو وتفوقه، لكنه كارثي إذا حصل بسبب تفريطٍ وخذلانٍ وتآمرٍ من صفوف الثوار أنفسهم، والانهزام يصبح تهديدا وجوديًّا وخيانة عظمى إذا كان بسبب خلل في المنهج أو انحراف عنه، وهذا هو ما حصل للأسف في حلب، ووقع في مناطق أخرى قبلها، وسيحصل في مناطق أخرى في المستقبل إذا لم يستدرك أصحاب المبدأ والمنهج في ثورة الشام الموقف!

كيف سقطت حلب؟

فسقوط حلب، أو بالأحرى تسليمها، كان بقرار واتفاق روسي-تركي، وبمباركة أمريكية، وبتنفيذ من فصائل من الثوار وعلى رأسهم أحرار الشام.

فخلال زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لروسيا في أوائل شهر أغسطس 2016م، ضمن وفد رفيع من الجيش والمخابرات، تم الاتفاق على استئصال الفصائل الخارجة عن طوع النظام الدولي، وأُوكل لتركيا الضغط على الفصائل المدعومة من قِبَلها للانسحاب من الجبهات ضد نظام آل الأسد وحلفائه أو تجميدها. وفي المقابل يُسمح لتركيا (أخيراً) دخول الشمال السوري لمنع قيام دولة كردية على حدودها.

وقد صرح رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، إبان الاتفاق الروسي-التركي: «بعد الآن، ستعمل تركيا بشكل وثيق أكثر مع دول المنطقة لحل قضايا المنطقة وفي مقدمتها سوريا، ومثلما حللنا مشاكلنا مع إسرائيل، ومثلما أعدنا الأمور إلى مسارها مع روسيا، سنشهد تطورات جميلة في سوريا ودول أخرى في المنطقة، وبدأت مرحلة ذلك، واُتخذت خطواتها، وسنشاهد معا نتائجها».

وبعد أسبوعين فقط من الاتفاق الروسي-التركي، ظهرت النتائج الأولى للاتفاق، حيث اقتحمت قواتُ ما سُمِّي بِ “درع الفرات” يوم 24 أغسطس 2016م مدينة جرابلس في أقصى الشمال السوري انطلاقا من الأراضي التركية، بدعم عسكري تركي وقيادة أمريكية. وقد سهَّل غطاء جوي تركي-أمريكي زحف درع الفرات لطرد “تنظيم الدولة” من جرابلس.

التمويل التركي يتحكم في سير المعركة

ونقل مراسل شبكة “الدرر الشامية” الذي رافق حملة جرابلس بأن مقاتلين سوريين يتبعون لفصائل عدة شاركوا في درع الفرات، من بينهم فرقة الحمزة، وفيلق الشام، والسلطان مراد، وحركة أحرار الشام الإسلامية، وحركة نور الدين الزنكي، وجيش التحرير، وصقور الجبل، والجبهة الشامية. وأضاف مراسل شبكة “الدرر الشامية” بأن المقاتلين السوريين أقاموا معسكرات تدريب مشتركة مع القوات الخاصة التركية قبل انطلاق حملة درع الفرات.

واستطاع درع الفرات، بتنسيق مع روسيا ونظام آل الأسد، التوسع في جزء متفق عليه من الشمال السوري وطرد “تنظيم الدولة” وقوات سوريا الديمقراطية، التي تنضوي تحتها عدة فصائل مسلحة كردية أهمها وحدات حماية الشعب الكردية.

ما هو الهدف من درع الفرات؟

فعلى ما يبدو يُراد من درع الفرات أن يكون البديل الوحيد والشرعي (إلى حين الاستغناء عنه وتغيير أمريكا لموقفها) لكل الفصائل الثورية المقاتلة في سوريا، وكل فصيل يرفض الانضواء تحته سيُعتبر إرهابيا ويُعمل على إبادته. فيتحول هدف الثورة من قلع نظام آل الأسد إلى حماية تركيا، ويصبح الثوار جُندًا لخدمة مصالح تركيا بمنع قيام دولة كردية على حدودها، ولخدمة النظام الدولي بقتال “الجماعات المتطرفة”.

وهناك عدة قرائن تُدَعِّم هذا الرأي

فمثلا نشرت جريدة الرأي الكويتية، يوم 30 أغسطس 2016م، تقريرا (إخباريًا واستخباراتيًا) مهمًا، أقتبسُ منه الجزء التالي:

«وأثبتت تركيا فعلاً قدرتها على تنفيذ الاتفاق (الروسي-التركي)، إذ أعلن رئيس وزرائها بن علي يلدريم أن «الرئيس السوري بشار الأسد يمكن أن يكون شريكاً في المرحلة الانتقالية» (مع إبقاء الخلاف التكتيكي حول مستقبل الأسد الذي اعتبرت روسيا أنه ليس من شأنها ولا من شأن تركيا بل يعود للشعب السوري).

ونفّذت تركيا وعدها بالطلب من حلفائها على الأرض، من «أحرار الشام» و«السلطان مراد» و«نور الدين زنكي» و«فيلق الشام» و«فرقة الحمزة» و«استقم كما أمرت» بعدم الانصهار مع «النصرة» (سابقاً) (جبهة فتح الشام) وعدم تشكيل فصيل واحد كما كانت الوعود قُدمت لها (للنصرة) قبل أن تعلن فك ارتباطها مع «قاعدة الجهاد في خرسان».

وطلبت أنقرة من أكثر هؤلاء -الذين يعتمدون أساساً على تركيا لإيصال الدعم العسكري والمادي والاقتصادي واللوجستي من كل حلفائهم إلى شمال سورية وتسمح بمرورهم إلى الداخل السوري من خلال أراضيها وتقدم لهم الدعم الطبي اللازم والاستشاري والاستخباراتي في كل معركة مفصلية -الانضمام إلى قوتها التي أدخلتها إلى مدينة جرابلس لاستعادتها من دون قتال من تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش).

وتعهدت تركيا أيضاً عدم الالتحام أو تشكيل أي خطر على الجيش السوري وأماكن وجوده وألَّا تقترب قواتها من حلب لتشكيل دعم للمسلحين هناك، ما ترك «النصرة» (سابقاً) والتنظيمات الأخرى لمصيرهم في المعركة الدائرة رحاها اليوم على جبهة الراموسة -الكليات العسكرية لتظهر تركيا وروسيا أن قوى بعينها أصبحت وحدها تحارب في جبهة حلب»

(انتهى الاقتباس).

أحرار الشام كانوا المعرقل الرئيسي في فشل توحد الفصائل

وانسجامًا مع هذا التقرير لجريدة الرأي الكويتية، صرح عبد الله المحيسني، الذي حاول كل جهده لتوحيد الفصائل، بأن أحرار الشام كانوا المعرقل الرئيسي في فشل توحد الفصائل.

وأكد مؤخرا الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن العملية العسكرية التركية الجارية في سوريا لا تهدف لإنهاء حكم الرئيس السوري، بشار الأسد، وإنما القضاء على المجموعات الإرهابية، حيث صرح بأن:

عملية درع الفرات لا تستهدف أي بلد أو أي شخص، وإنما تهدف إلى محاربة تنظيمات الإرهاب.

اتفاقات وتقسيمات جديدة

ومع انطلاق درع الفرات توالت نداءات مشايخ وقيادات الفصائل المعتمدة على تركيا لاتخاذ جرابلس مركزا لِـ “المعارضة” السورية!

فحلب سُلِّمت لإيران وروسيا مقابل دخول تركيا إلى مناطق محددة في سوريا لمنع القوات الكردية المسلحة من إقامة دولة على الحدود التركية، ويدخل ضمن الاتفاق الروسي-التركي تهجير أهل السنة لتسليم حلب فارغة منهم، ولذلك أعلن أردوغان أن بلاده مستعدة لاستقبال ثمانين ألف نازح من حلب، وبأنه على اتصال مستمر مع بوتين لضمان وصول مساعدات إنسانية للمدنيين الحلبيين!

فاستقبال النازحين السنيين من قِبَلِ تركيا (وأُوروبا -خصوصا ألمانيا-وغيرها من البلدان) ليس لدوافع إنسانية، ولكن لأهدافٍ سياسية حددها النظام الدولي وعلى رأسها تبديد الأغلبية السنية في بلاد الشام. فليست حلب أول أو آخر قلعة سنية ستُفرغ من أهلها وتُسلَّم للطوائف الشيعية والنُّصيرية والوثنية والصليبية، بل ستتلوها كل المناطق التي تقع تحت سيطرة الثوار، وستستثنى -إلى حين-المناطق التي سُمح لدرع الفرات اقتحامها. وللأسف تشارك فصائل سنية بنفسها في مشروع استئصال أهل السنة، غالب الظن عن غباء سياسي!

فالاتفاق الدولي بشراكة تركية-روسية على تفريغ حلب (ولاحقا غيرها من المناطق) من أهل السنة وتسليمها، لم يكن لينجح لولا تنفيذ فصائل من الثوار قرارات الاتفاق.

فشل ملحمة حلب الكبرى

ولعل فصائل مخلصة من الثوار أدركت مخطط تسليم حلب فسارعوا إلى خطوة استباقية تمثلت في محاولات فك الحصار عن حلب وتحريرها، فانطلقت في أواخر شهر يوليو 2016م “ملحمة حلب الكبرى” باقتحام حلب من الجنوب الغربي، وبعدها بثلاثة أشهر (أواخر شهر أكتوبر) انطلقت محاولة ثانية لتحرير حلب عن طريق اقتحامها من الشرق، لكن لأسباب غير معلومة فشلت المحاولتين، ولعل الأيام القادمة ستكشف خفايا أسباب فشل تحرير الثوار لحلب وكيف تمكن نظام آل الأسد وحلفائه التقدم في حلب الشرقية!

الشعب السوري يدفع ثمن ما اقترفته الفصائل

وكذلك من بين أهم أسباب نجاح نظام آل الأسد وحلفائه في إحكام الطوق على حلب، هو خمود فصائل الثوار على كل الجبهات الأخرى وبالتالي تمكين العدو من التفرغ لحلب وصب كل ثقله العسكري عليها.

بل ولم تكتفي الفصائل بعدم فتح جبهات قتال مع نظام آل الأسد في مناطق عدة من سوريا لتشتيت قوته وتبديد تركيزه، بل انصرفت لقتال “تنظيم الدولة” ووحدات حماية الشعب الكردية تحت مظلة تركيا وأمريكا (درع الفرات)، مع أن قتال هذه الفصائل ليس من الأولويات، فهذه أهداف ثانوية تُقاتل للضرورة فقط، لصد محاولات هجوم أو غدر من طرفهم مثلا!

وتحت وابل القصف والتدمير للمرافق المدنية والتقتيل الجماعي من قِبَل روسيا وعصابات نظام آل الأسد، تم ترتيب جدول تسليم حلب الشرقية في لقاءات بين ممثلين عن الفصائل “المعتدلة” والروس في تركيا، تحت رعاية تركية، أُعلن عن أحدها في أواخر شهر نوفمبر 2016م!

ولتقديم “شرعية” داخلية لتسليم حلب، استحوذ أحرار الشام وحلفائهم في “درع الفرات” على “مجلس قيادة حلب” (الذي تأسس في أواسط شهر فبراير 2016م في حلب تحت قيادة القائد العسكري في “حركة نور الدين الزنكي” أبو بشير معارة، والقائد العسكري في “الجبهة الشامية” عبد الرحمن نور، كلا الفصيلين منخرطَين في “درع الفرات” التركي-الامريكي)؛ ليقرروا عن طريقه تسليم حلب الشرقية لنظام آل الأسد وحلفائه، ولذلك لا يُستغرب مثلا أن تكون أحرار الشام (أعضاء منها) الممثل للثوار في المفاوضات مع روسيا وإيران لتسليم شرق حلب.

أزمة منهج

فما وقع بحلب دليل على أن هناك أزمة منهج ومبدأ في ثورة الشام وليست مشكلة تكالب كل دول الكفر والدول العميلة له على أهل السنة في الشام، والمشكلة ليست في قلة العتاد والعدد، فالإسلام منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم يواجه ملل الكفر قاطبة، وغالبا ما تتحالف ملل ودول الكفر على المسلمين، والحروب التي خاضها الرسول والصحابة كانت غالبها بِعُدَّة وعدد أقل أضعافًا من تلك التي كان يملكها الأعداء، ومع ذلك انتصر الرسول والصحابة في اغلب تلك الحروب.

والقرآن خلَّد لنا سورة تحت اسم “الأحزاب”، لتكون حجة علينا أنه كما اجتمعت أحزاب الكفر على الرسول وأرادوا استئصال المسلمين من المدينة، سيتحالفون دوما ودائما وفي كل العصور، والى قيام الساعة، ضد المسلمين ليحاولوا استئصالهم.. ولتكون في سورة الأحزاب منهجًا لنا وخريطة طريق في كيفية الصمود ضد تحالفات الكفار والانتصار عليهم…

ولتحذرنا سورة الأحزاب من المنافقين والمثبطين وأصحاب القلوب المريضة الذين سيركنون للكفار، قومٌ مقياس الأمور عندهم مادي فقط، يبحثون عن المنفعة الشخصية أولا، يبحثون عن السبل التي تقيهم شر العدو القوي وتمكننهم من رغدٍ في العيش وأمانٍ على النفس، ولو كان على حساب الدين، ولو كان على حساب آلاف وملايين الضحايا من المسلمين. سورة الأحزاب تحذرنا من اختراق صف المسلمين من قِبل هؤلاء الذين يعملون جهدهم لتثبيط الثوار ودفعهم للاستسلام!

{إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20) لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)}(الأحزاب)،

ولن تجد لسنة الله تبديلًا

فالرسول والصحابة انتصروا على الأحزاب لأن غايتهم كانت نصرة دين الله لا غير، ولأنهم آمنوا بأن النصر من عند الله، ولأنهم توكلوا على الله وحده، ولأنهم كانوا مجتمعين على كلمة واحدة وتحت قيادة واحدة، ولأنهم أخذوا بالأسباب ضمن المستطاع وضمن المباح شرعا، ولأنهم لم يكونوا مرهونين لسياسات وقرارات غيرهم، كانت قراراتهم متسقة تماما مع عقيدتهم ومنبثقة منها وخادمة لها وهادفة لجعل الكلمة العليا لشرع الله..

وفي المقابل نجد أن غالب الفصائل الثورية في الشام لم تتوفر فيها أسباب النصر التي رسمتها لنا سيرة الرسول، فأخطر وأكبر انحراف منهجي وقعت فيه، هو اعتمادها في التمويل والتسليح على الغرب (عن طريق تركيا ودول الخليج)، وبالتالي ليس لتلك الجماعات، وعلى رأسها أحرار الشام والجبهة الإسلامية، قرارات سياسية ذاتية، ناهيك عن قرارات مبدئية -قرارات تخدم المبدأ، تخدم نصرة الإسلام-!

والتفَّ حول تلك الجماعات “شرْعِيُّون” و”مشايخ” وسماسرة، وظيفتهم صياغة تسويغات “شرعية” و”عقلية” للقرارات التي يمليها عليهم الداعمون، لا يختلفون وحالهم هذا عن مشايخ السلاطين في الأنظمة المتحكمة في البلدان الإسلامية!

ولَّوا وجوههم شَطْرَ الغرب

فالحقيقة المُرَّة أن غالبية الفصائل، مثلهم مثل الحكومات والأنظمة في البلدان الإسلامية، تكمن سياساتها في إرضاء الغرب، وعلى الخصوص أمريكا، يسبحون في محور الغرب، ومشايخ تلك الفصائل ومنظِّروها قالوها أكثر من مرة صراحة: ليس هناك حل من خارج المنظومة الدولية، يجب العمل من خلالها وضمن ما يسمح به النظام الدولي!

والنظام الدولي قال لهم لا تتحدوا مع الفصائل المغضوب عنها، ففعلوا وأفشلوا كل محاولات التوحد!

والنظام الدولي قال لهم انسحبوا من حلب، فانسحبوا!

ما السبيل؟

وجبَ على الثورة في الشام أن تطهر صفوفها، وتصحح مسارها، وتقتلع الخبث الذي انتعش مع سيل الدولار إلى ثورة الشام، وتضع منهجا مبدئيًا واضحا لها، على أساسه تقيس الرجال والفصائل، من زاغ عنه يُحيَّد ويعزل ولو كان قائد أكبر فصيل، يُعزل بالقوة إذا لم تنفع سبل أخرى! فتوحد فصائل الثوار يستحيل أن يتحقق إلا إذا توحد المبدأ والمنهج. فمن العبث، بل والخطورة القاتلة، محاولة توحيد فصائل، بعضها يأتمر بأوامر الداعمين والممولين، والبعض الآخر يريد استقلالية القرار ليكون قرار الثوار نابع من عقيدتهم الإسلامية ليس إلا، ولخدمة مصالح المسلمين وليس النظام الدولي!

لا يُعقل أن تتوحد فصائلٌ، البعض منها يشترط التنازل عن هدف إقامة دولة إسلامية، ويريدون اختيار قادة الثورة حسب تزكية المخابرات الدولية لهم، والبعض الآخر لا يعطي أي اعتبار لإرادة الغرب ورغباته!؟

يجب على الثورة أن تأمر كل من أراد أن ينتمي إليها ويشارك فيها أن يفك الارتباط السياسي والعسكري و”التمويلي” بتركيا والسعودية وقطر وبالتالي فك الارتباط بالغرب، ومن لم يفعل يزاح ولو بالقوة من ميدان الثورة في الشام! فكيف يُعقل أن يثور المسلمون على أنظمة لأنها عميلة للغرب وتأتمر بأوامره، ليحل محلهم جماعات وقادات يمولهم الغرب ويدعمهم سياسيًا ويأتمرون بأوامره!!؟؟

على الثورة أن تستعيد سيادتها لتكون قراراتها بيدها، فالأهم من السلاح والمال، هو من بيده الأمر والنهي، من بيده القرار، من يحدد الأهداف التي يُقاتَل من أجلها، ومتى يُقاتَل وأين الخ.. فالثورات لا يقوم بها ولا ينتصر فيها مرتزقة، بل سادةٌ أصحاب قرار ومبدأ ومنهج!

تحصيل القوة لا يبيح كل وسيلة وسبَبٍ

المنبطحون المثبطون يحسبون أن الحنكة السياسية و”الانفتاح” و”التفتح” يكمن في الارتماء في أحضان الغرب والأنظمة العميلة له في العالم الإسلامي، وهنا محل الاختلاف الخطير… فالحنكة السياسية في الإسلام هو أن يحصل الثوار على ما يحتاجون إليه دون أن يفرِّطوا في أي جزء ولو بسيط من دينهم و سلطانهم، إما أن يُباع الدين ويُتنازل عن شريعة الإسلام ويُعطى للغرب العهد والولاء لدولة مدنية تحكم بغير ما انزل الله، ويُقاتل حسب أوامر الغرب، وتُجرى مفاوضات مع نظام آل الأسد الإرهابي المجرم تحت رعاية الغرب، ويُقبل بحل سياسي يخرج بنفس المنظومة السياسية التي ثار أهل الشام المسلمين ضدها وقُتل بسببها مئات الآلاف وشُرِّد وهُجِّر الملايين.

فهذا ليس حنكة سياسية ولكنه غباء وذُل وانتحار سياسي، وخيانة لله وللرسول وللثورة وشهدائها وضحاياها!

إما السلاح والتسليح، فلا أدري لماذا يلصق بأذهان البعض انه لا يمكن الحصول عليه إلا عن طريق التنازل عن الدين والسيادة؟ لم تنعدم قط أي مقاومة وثورة، في أي مكان من الأرض وفي أي تاريخ، من السلاح! فالثورة التي تريد الحفاظ على حريتها واستقلالية قراراتها، عليها شراء السلاح بمالها بدلا من أخذه توَسُّلاً، وبدلا من الحصول عليه عن طريق بيع الدين والسيادة… والسلاح يتم تطويره وصناعته بدلا من شحاذته، والسلاح والمال يتم اغتنامه من العدو، قال رسول الله: “جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي”(مسند احمد). فالمسلم إذا كان يجاهد في سبيل الله، لِجَعل السيادة لشرع الله، يجعل الله له الفرج والسعة في الرزق والسلاح مما يفتح سبحانه عليه من غنائم يأخذها بعزة وقوة ونصر من عدوه.

المساعدات بدون تنازلات

ومن أراد من البلدان الإسلامية أن يقدم سلاحا أو مالا للثورة، يجب على الثوار أن لا يقبلوه إلا بشروط، وألَّا يكون الثوار معتمدين عليه، ومن تلك الشروط:

١- ألَّا يُشترط في عطاء السلاح والمال أي شيء، لا يُناقش متى وفيما سيستعمله الثوار!

٢- ألَّا يُقبل بوضع أي رجالٍ أوصياء على الممنوح، لا عسكريين ولا أمنيين مخابراتيين ولا سياسيين، فلا يدخل صفوف الثوار وميادين القتال أي رجال من أنظمة البلدان الإسلامية تحت ذريعة التنسيق، فهؤلاء جواسيس وهؤلاء وسائل لفرض أجندة الجهة المانحة!

٣- أن يعمل الثوار على أن يكونوا مستعدين في أية لحظة للتخلي عن السلاح والمال الذي يُمنح، فمتى حاول المانح استغلال العطاء لابتزاز الثوار، وجب على الفور إيقاف وإنهاء أي تعامل مع هاته الجهة المانحة!

٤-أن تكون المنحات بكل تفاصيلها تحت رقابة مجلس شورى للثوار!


مصادر:

١– أسرار لقاء أردوغان – بوتين في سان بطرسبورغ: الدخول إلى سورية … ولكن

٢- الكرملين: بوتين وأردوغان يؤكدان استعدادهما لمواصلة القضاء على الإرهاب في الشرق الأوسط

٣- أردوغان: نحارب الإرهاب في سوريا لا الأسد

٤- رئيس الوزراء التركي: سنشهد تطورات جميلة في سوريا

٥- أكثر من 1200 مقاتل سوري يخوضون عملية “درع الفرات”.. تعرَّف على الفصائل المشاركة

٦- “درع الفرات”.. لمنطقة آمنة مشرفة على المستقبل

٧- مقطع للقاء صحفي لقائد حركة أحرار الشام في حلب، حول تشكيل “مجلس قيادة المدينة”

٨- فصائل مدينة حلب_المحاصرة_تشكل “مجلس قيادة حلب،”

٩- الحياة – قيادي في «أحرار الشام» يرحب بقرار «النصرة»: النظام انتهى ومعركة حلب؛ ستغير قواعد الحل

 

 

(345)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

فاروق الدويس مسلم مُتابع للأحداث في البلدان الإسلامية خاصة، يحاول المساهمة في معركة الأمة المصيرية بأبحاث ومقالات سياسية فقهية تحليلية،معركة لا يمكن للأمة الانتصار فيها بدون اكتساب وَعْي وفَهْمٍ، بدون كسبها يبقى المسلمون وقُودًا وحُطامًا وغثاءً يستعملهم النظام الدولي لتثبيت هيمنته على بلدانهم وفرض عقيدته على شعوبهم!
مشاركة