الرئيسية دعوة صلح الحديبية دعوة لعدم التنازل
صلح الحديبية دعوة لعدم التنازل

صلح الحديبية دعوة لعدم التنازل

576
1

كثير من المعاصرين يستدلون على تنازلاتهم بصلح الحديبية ويتخذونه ستارًا يستترون به. فهل كان صلح الحديبية تنازلًا حقًا؟

دعونا أولًا نعرف من هو المتنازل؟

نقول عن الشخص أنه تنازل إذا ترك واجبًا أو فعل محرمًا أو لم يبتغِ نصرة دين الله.

فهل تنازل النبي-صلى الله عليه وسلم-؟

بدايةً لم تكن أفعال النبي–صلى الله عليه-تركًا لواجبٍ أو فعلٍ لمحرم وبعضها كان وحيًا خاصًا بهذه الحالة لا يُقاس عليه. وكان المقرر المسبق لدى النبي هو نصرة الشريعة الربانية حتى لو تطلب الأمر الصِدَام. ولم يكن المقرر المسبق تحاشي الصدام والتوافق مع الآخرين ولو أدى إلى خذلان الشريعة–كما يحدث الآن-.

فلنسرد بعض الأفعال التي توضح ذلك

أولًا: استعداد للتضحية في سبيل الله

دخل النبي-صلى الله عليه وسلم-بِعِزة وكان مستعدًا للتضحية في سبيل الله.

ثانيًا: استعداد للمواجهة

النبي كان على استعداد لبدء الصدام أن حدث اعتداء على مسلم، فكيف لهذا أن يتنازل عن شئ من دينه؟! والدليل على ذلك مبايعة الصحابة على الموت عندما أُشيع أن عثمان بن عفان قد قُتل، فلم يستهن بدماء المسلمين أو خذلانهم.

ثالثًا: التوافق مع الآخرين

كان همُّ النبي الأول هو نصرة دين الله؛ فكان لا يهتم بالتوافق مع الآخرين بقدر اهتمامه بالمحافظة على ثوابت الدين، ويظهر هذا في قوله-صلى الله عليه وسلم-:

والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها

رابعًا: هل أتى النبي-صلى الله عليه-محرمًا أو ترك واجبًا؟

لم تكن موافقة النبي على كتابة “باسمك اللهم” بدلًا من “بسم الله الرحمن الرحيم” تركًا لواجبًا؛ لأن الله-عز وجل-لم يوجب علينا هذه الصيغة بالتحديد، فأين التنازل في هذا؟! فإذا قلنا بسم الله السميع العليم، أو باسمك اللهم، أو أي صيغة أخرى لا يخل المعنى، وليس في هذا أيضًا تنازلًا عن حكم من أحكام الله. أما إذا قلنا باسم الشعب فهذا حديث آخر.

وأما استدلال أمر النبي لعلي-رضى الله عنه-بأن يكتب “محمد بن عبد الله” فهل في هذا القول إنكار من النبي-صلى الله عليه- بالرسالة أو النبوة؟ إنما قال لسهيل بين عمرو “والله إني لرسول الله وإن كذبتموني” ولم يكتب مثلًا “أعترف أني لست رسول الله” فليس في هذا إتيان لمحرم أو ترك لواجب حتى نقول عن هذا تنازلًا.

خامسًا: وحي النبي الخاص بهذه الحالة

تُعد موافقة النبي على عدم الاعتمار هذه السنة وحيًا من الله؛ ولأنه أعلم بالغيب اعتمر المسلمون السنة التالية في عزة ونصر، ثم إن هذا لم يكن تركًا لواجبٍ أيضًا لأن الله لم يوجب عليهم الاعتمار في هذا العام خصوصًا.

رد من جاء مسلمًا إلى الرسول لقريش

أما النقطة التالية فكانت في رد المسلمين القادمين من قريش إليهم وعدم رد قريش للمسلمين المرتدين؛ فكانت موافقة النبي على هذا الشرط وحيًا من علَّام الغيوب، ولأن هذا فيه مصلحة للمسلمين قضى الله بها. واتضح ذلك في رد النبي-صلى الله عليه وسلم-على الصحابة عندما قالوا “يا رسول الله أنكتب هذا؟!” فقال:

نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا

فكان هذا من علم الغيب الذي أوحى الله به لرسوله. ودليل ثانٍ قوله-صلى الله عليه-ردًا على قول عمر بن الخطاب–رضى الله عنه-:

“فعلام نعطى الدنية في ديننا؟”

عندما أُرجِع أحد المسلمين القادمين من قريش إليهم فقال النبي:

“إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري”.

ويعنى هذا أن فعله كان بوحي من الله وخاص بهذه الحالة لا يقاس عليه في غيرها، ومن الدلائل أيضًا قول الله–تعالى-:

“لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا”

فقال المفسرون في كلمة “فعلم ما لم تعلموا“؛ أي أن الخير كان في الصلح وتأخير العمرة.

الخلاصة

ومن هنا كان صلح الحديبية من أكبر الأدلة على هدم فقه المصالح المشوه المستخدم في عصرنا الآن، وعدم التنازل والتوافق مع الأطراف الأخرى على حساب ديننا وتركنا الواجبات، وأيضًا على التسليم لحكم ربنا حتى وإن رأينا فيه مفسدة، وأن نوقن بالخير في ذلك.


إعداد: آلاء عنتر

576

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

آلاء عنتر طالبة جامعية، ومدونة حرة، مهتمة بالشئون الإسلامية، والعلوم الطبيعية.
  • حسان وائل

    في مسألة القياس، حتى لو كان الأمر وحيا فيمكن القياس عليها؛ فعموم الأحكام التي يقاس عليها، هي بالأساس وحي.
    أنا هنا لا أقصد أن نتنازل عن ثوابت الدين، بل إن التنازل (بالمعقول) الذي تكون منه مصلحة للدين، هو من أحكام الدين نفسها.

مشاركة
mautic is open source marketing automation