الرئيسية مقالات الرأي دعوة للفهم… هل هذا ديننا؟!
دعوة للفهم… هل هذا ديننا؟!

دعوة للفهم… هل هذا ديننا؟!

270
0

 دعوة للفهم

الإمام الغزالي رحمه الله وعفا عنه صاحب تآليف عظيمة سد بها ثغرا من ثغور الدين لا شك، والرجل يملك عقلا كليا في تصور مقاصد الشرع وحكمة التشريع. ولكن آه من ذلك التصور الذي طغى-في نظري-على كثير من الوقوف على الجزئيات، ولم أدع أنني على طرف التمام من جميع ما خطه الشيخ وسطره.

ولكن فيما نظرت فيه من أعماله، ولم تتعد أصابع اليد الواحدة، عنّت لي تساؤلات وأمور علِّي لم أبلغها بفهمي السقيم، وربما أصبت وجها فيها وأخطأ الشيخ، علما بأني نحَّيت عن ذهني كل ما قيل فيه قبلُ، ونفضت عن فكري مآخذ العلماء عليه، فقط أنا وهو، بيني وبينه.

تجده يتحدث عن العبادات-سيمياء هذا الدين-بوصفها «فلسفة عقلية راقية وأشفية نفسية موفقة»، ثم يستثني منها بعض مناسك الحج التي يؤديها الحجيج، والتي لم تتعد «الإهاجات العاطفية والذكريات التاريخية التي لا يستغني عنها البشر ولا تخلو منها النظم المادية التي تقدس العقل وحده». ثم يتلمس الحكمة التشريعية لها في ربط الجماهير بالمعاني الكبيرة… هكذا قال. (من كتاب هذا ديننا صـ 188).

ولعله أصاب من وجه-وإن أبعد النجعة-لكنني لست بمستطع أن أرد كل ما قاله، ولا أنا بالذي أقبل كل مقاله… نعم، قد أجد فيه صدى لكلام قديم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في تقبيل الحجر الأسعد، إذ قال إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.

توقف عمر عن طلب الحكمة الباطنة واكتفى بالتسليم، أو أقر أن الحكمة التسليم… التسليم فقط. هكذا فهمت. على أن الحزاز الحامز في النفس في كلام الشيخ رحمه الله استثناء بعض المناسك من الفلسفة العقلية الراقية ثم تأطير حكمة التقاليد الحجية في التهييج وبعث الذكريات على أهميتها، بوصفه لها بأنها لا يستغني عنها البشر… أفلا نترك في مثل هذا الموضع عقول الأمة التي لا ينضب فكرها لالتماس حكم تشريعية قد تغيب عن مثله-وهو الإمام-وعن أمثالنا-نحن المقلدين -.

المسألة الثانية

أما ثانية اثنتين في تلك المسائل التي عج بها كتابه «هذا ديننا صـ180، 181» فكانت حول حديث

«بعثت بالسيف بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي»

ولا أعرف لماذا يغضب الشيخ من ذلك الحديث غضبا عارما، ثم يدعو دعوة ظاهرها صواب، خفيّها فيه بعض المناكفة، ثم يلتمس التأويل الذي يستحسنه هو بفهمه هو! بعد اعتراض يثير شك القارئ أكثر مما يُنزل عليه برد اليقين، فيقول: «لو صح»،  ويطلق دعوى التخصيص التاريخي، وأن السيف كان في فترة محددة لم تتجاوز الشهور مع قوم معينين عزّ لؤمهم على العلاج، بعد منح حق الارتداد من أراد! ثم يختم: «إن أي حديث يخالف روح القرآن أو نصه فهو باطل من تلقاء نفسه».

ولا نعرف من أين جاءت دعوى التخصيص، ولا من أين جاءت مخالفة النص القرآني، ولا كيف منح الناس حق الارتداد عن الإسلام إذا لم يعجبهم البقاء فيه؟ ولا أحب أن ينتهي قلمي قبل أن أشير إلى تلك اللمحات في المدرسة الغزالية، عامة، إن صح لنا هذا التعبير، من دعوة إلى نقد المتون أي متون الأحاديث النبوية… ومن الجلي أنها دعوة تتجدد وتلقي بظلالها على ساحتنا الفكرية وكنا ظننا الفراغ منها… وما حديث الذبابة عنا ببعيد!

ولسنا ممن يلقي الكلام على عواهنه ولا ممن يأخذون الكلمات جزافا… نعم إن كان المقصود نقد متن الحديث بمعنى بيان صحته وزيفه كما كان يطلق القدماء، فهو مطلب أسمى فيه يتنافس المتنافسون.

وإن كان المراد تنقيته مما لحق به وزيد عليه ما ليس منه فهو كذلك، على أن يوضع ذلك في قواعده العامة التي رسمها محدثو الأمة وأثريوها الذين ما غاب عنهم مثل هذا ، إلا أنهم جعلوه في مرتبة بعد مرتبة نقد السند أولا فبذلوا كل ما في الوسع في جرح أو تعديل رجاله ورواته، حتى تستبين لهم السبيل ويتفرغوا لنقد المتن على طريق لاحبة.

فأي إعظام للعقول فوق هذا الإعظام وأي خشية من رد ما صح وما ثبت!! وذلك أنفى لشبهة التعارض أو المخالفة أو الوضع والكذب.

فإن تظاهرت الأدلة وصحت مرويات الحديث على قواعدهم التي ارتضوها وأجمعوا عليها، فرغوا للمتن يستنطقونه، ويستتبعون أسبابه، ويعرضونه على غيره مما شابه أو خالف، احتراما لقول النبي وفعاله وتقريراته؛ فيلتمسون التأويل الذي يقر في أذهانهم رادِّين به كل تعارض أو شبهة ممكنة تاركين الأمر بعد ذلك للمجتهدين ممن أفاء الله عليهم من عقل وحكمة وفطنة.

أما إن كان المقصود نقد المتون ابتداء، صحت سندا أم لم تصح، وردها بسلطان العقل فقط، فلا نلفي له جوابا أبلغ من قول المتنبي:

وكم من عائبٍ قولا صحيحا
وآفتُه من الفهمِ السقيمِ

وختامًا

لا أرد كلام شيخنا ردا مطلقا ولا أحمل عليه بموروثي الفكري الناقد الطاعن في كثير ممن جاء به عن عقليته ومدرسته المخالفة لصحيح المنهج السني كما يدعي مخالفوه قديما وحديثا، ولكنها حقا دعوة للفهم، وما زلت على أولى عتبات نصوصه قارئا أمينا إن شاء الله.

وللحديث بقية «سندا ومتنا».


أحمد حسن

270

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

ضيوف أمّة بوست يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع أمّة بوست ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: ommahpost[at]gmail.com ،مقالات الرأي تُعبر عن رأي الكتاب ولا تُعبر بالضرورة عن أمّة بوست.
مشاركة