الرئيسية سياسة هل لبرلة الدولة ثمن الوصول إلى السلطة؟!
هل لبرلة الدولة ثمن الوصول إلى السلطة؟!

هل لبرلة الدولة ثمن الوصول إلى السلطة؟!

454
0

أُسّست الدولة السعودية الثالثة حين تم تأسيسها ما بين 1916-1924 على دستور ينص في مادته الأولى أن التشريع هو كتاب الله عزَّ وجلّ والسنة النبوية وبعدها بفترة ليست بالبعيدة وضعت أولى الشركات البريطانية يدها على النفط السعودي ولكن ما لبث أن أُعجب الملك عبد العزيز بن سعود بالأمريكيين أكثر أو بمنحى آخر استطاع الأمريكان إقناع الملك عبد العزيز باستبدال الأيادي الشقراء بهم وكانت أول شركة نفط أمريكية تضع رحالها في السعودية ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا.

تم بناء المدن الرئيسية وإنشاءها ولكن بقيت السعودية مقارنة بمواردها الهائلة في أواخر ركب الحضارة إلى حد ما.

تم افتتاح القناة السعودية الأولى عام 1965م ثم تلتها موجة انتقادات شعبية ودينية من بعض علماء الدين وخاصة بعدما رُبطت صورة الإفساد الأخلاقي بالقنوات التلفزيونية بعد تصدر الأفلام والأغاني المصرية المشهد العربي والذي اتسمت حينها بانحلال لم يُشهد له مثيل إلا في السنوات الأخيرة في عالمنا العربي.

ثم دخل الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إلى الكويت لأسباب ليس من الملائم ذكرها هنا ولأن الجيش السعودي قوامه حينها كان أقل بكثير من أن يُجابه الجيش العراقي الذي دخل في حرب ضروس لعقدٍ من الزمن مع القوات الإيرانية فتم عقد مؤتمر مكة الشهير والذي تم تسويغ إدخال نصف مليون جندي أمريكي وبريطاني لحماية حدود وأراضي المملكة العربية السعودية.

نورمان شوارزكوف يرافق العاهل السعودي الملك فهد حيث يستعرض القوات الأميركية في قاعدة جوية في شرق المملكة العربية السعودية في 7 كانون الثاني / يناير 1991.

حينها كانت الموجة الأضخم لزج الدعاة وعلماء الدين لاعتراضهم على هذا التسويغ وخاصة أن أحد النواقض العشرة الصريحة للإسلام هي الاستعانة بالكافر على المسلم مع اختلاف الفقهاء في حيثيات الاستعانة وحكم هذا “المسلم” هل هو معتدي أم خارجي ولكن رغم كل التجاوزات العقائدية إلا أن كيان الدولة الشرعي بقي محافظاً وبقي المجتمع في إطاره الإسلامي الذي نشأ عليه إلى أن جاء الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود بعد وفاة الملك عبد الله في عام 2015م.  فلم يخطر على بال أحد إلا أنه جاء ليحرر الأمة الإسلامية من الظلم والطغيان التي يُمارس ضدها وخاصة مع الهالة الإعلامية التي أُحيطت به بداية الأمر ولكن بدأت الصدمات تتوالى!!

التغيير التكتيكي ومقدماته

لاحظ القريب والبعيد مدى الجرأة التي تحلّى بها الملك سلمان في اتخاذه قرارات مفصلية كان أهمها تعين ولده محمد ولياً لولي العهد والذي أثار ضجة في العائلة المالكة وفي الأوساط المتابعة للقرار السعودي حيث تم تعيين أول حفيد لعبد العزيز المؤسس كولي لولي العهد بينما لا يزال هنالك أبناء لم ينالوا حظهم من هذا المنصب وإذ يُعد هذا القرار بادرة القرارات الحاسمة والتي كان من الواضح أن المخطط مدروس على جميع الأصعدة حتى في طريقة إسكات أفراد العائلة المالكة، وبعدها بدأ الضغط يكبر ويزداد على الدعاة والمشايخ واعتقال الشيخ عبد العزيز الطريفي عنا ليس ببعيد حينما نوّه أن التنازل المستمر للغرب لن يتوقف واستشهد بآية من القرآن الكريم والذي هو مصدر التشريع الأول للملكة كما هو المفترض فتم جلب كتيبة مكونة من عشر سيارات ونيف لتُحاصر منزله وتقوده لجهة غير معلومة وصفها الشيخ سلمان العودة عبر تغريدة له على حسابه الرسمي في تويتر بأنها مكان لائق للتحدث.

ولكن بقي الانحدار بسرعة متباطئة نسبياً إلى أن جاء رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى السعودية في رحلة أقل ما يُمكن وصفها بالمُثيرة بعدما أعلن قُبيل نجاحه في الانتخابات وبعد نجاحه على ضرورة دفع دول الخليج العربي لمستحقاتهم مقابل الحماية المقدمة من الولايات الأمريكية كما وصف المملكة بأبشع الأوصاف والتي كانت منها أنها كالبقرة التي جفّت حليبها!!

ولكن على ما يبدو فالقيادات في الخليج العربي وخاصة في المملكة لم تأبه لهذه التصريحات بل صرفت من ميزانية الدولة مليار ونيف ريال سعودي لمراسم الاستقبال فقط عدا عن العطايا والهدايا التي حُمّلت بها طائرة الرئيس ترامب وهو ذاهب إلى تل أبيب، فماذا حصل في ال 72 ساعة التي تواجد بها الرئيس ترامب في السعودية؟!

اقرأ أيضًا: كل ما يجب أن تعرفه عن صفقة القرن وزيارة ترامب للسعودية

أقلع إلى تل أبيب وهو مزهوّ وعلامات النفاق والمكر تملؤ جبينه ولكن كانت الصدمة حينما تجرّأ رئيس وزراء الكيان الصهيوني بالتغريد بأنه يتمنى كما أتى الرئيس ترامب محلّقاً من الرياض إلى تل أبيب أن يأتي اليوم وتحلق طائرة الكيان من تل أبيب إلى الرياض! ولهذا بالطبع مدلولات ليست بالقليلة حينها فقدوم صهر الرئيس ترامب اليهودي إلى السعودية واستقباله بحفاوة دليل أن اللوبي اليهودي قد ترعرع وتجذّر في الوسط المؤثر لدائرة قرارات المملكة وأن الأيام القادمة حُبلى بالمفاجئات ولكن لم يخطر على بال أحد.

Embed from Getty Images

أن تأتي الأوامر إلى الدعاة والخطباء في المساجد بعدم الدعوة على اليهود لأن الخطر الرافضي أكبر ويجب التركيز على الخطر الإيراني وأن الإسرائيليين الآن جزءٌ من الواقع وخطرهم الآن مستقر بعكس التمدد الإيراني وكأن القيادة السعودية لم تطلب المفاوضات مع الحوثيين –المدعومين من ولاية الفقيه مباشرةً في طهران- وكأنهم لم يطلبوا فتح قنوات تفاوض مع إيران عن طريق وزير داخلية العراق الذي زار المملكة مؤخراً وكأنهم قد حاربوا السيسي على تقاربه الواضح والصريح مع الحكومة السورية المرتبطة أشد الارتباط مع إيران!! لذا هل الأمر هو الاعتماد على ذاكرة السمك التي يتحلى بها الشعب أم على إسكاته بإرجاع البدلات والتعويضات بعدما توقفت قرابة العام ونيف لإسكات الضجر والتململ في الوسط السعودي الذي بدء يتفشّى إلى الإعلام العالمي!!

إذن هنالك تململ واضح من القيادات الخليجية أو لا ندري هو من قيادة الكيان الصهيوني ببقاء العلاقات سرية ووجوب ترويض الشعب وتبيان عُمق العلاقات الخليجية الإسرائيلية وتليين الرأي العام تجاه الاحتلال الإسرائيلي بحجة انه جزء من الواقع ولا مهرب منه.

محمد بن سلمان الشاب الطموح أم أساس الخطة؟؟

تم تعيين الأمير محمد بن سلمان كما قلنا سابقاً بمنصب الجديد بالإضافة إلى إسناده وزارة الدفاع ونائب رئاسة الوزراء وهو ابن الواحد والثلاثين عاماً، نعم لما لا فبعض الصحابة لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشر وقد قادوا معارك ضروس ولكن أنّى بتلك بالعقيدة والهدف السّامي الآن؟

اقرأ أيضًا: صراع العروش في السعودية: هل حُسمت مسألة الملك القادم حقا؟

فلبرلة الدولة واضحة وضوح شمس حزيران وبحجة خطة 2030 في الاعتماد على موارد وطاقات غير نفطية تم استبدال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهيئة الترفيه التي يشرف عليها مشرفين أمريكان بموقع “مستشارين”

وكما يقول وزير الخارجية الأميركية تيلرسون “فتحنا مكتباً مشتركاً في الرياض لتنقية الكتب الدينية عن التطرف وذلك بإنتاج كتب جديدة لتدرس في السعودية وتوزع على مستوى العالم وسحب جميع الكتب التي تدرس وتوزع حالياً كما سيتم إعداد أئمة مساجد شبان معتدلين وذلك تحت رقابة عناصر من البيت الأبيض مباشرة” فما هو الدين المنتظر وما ماهيّة المشايخ الفتيّة القادمة؟ هل يريدونه كالميّت السريري جسد دون أدنى حركة أو تأثير على نفسه وعلى غيره؟؟

ولأن الملك سلمان حالته الصحية كانت مخفية عن الإعلام طيلة الفترات الماضية إبّان تولّي الأمير محمد بن نايف لولاية العهد، تم إظهار تدهور حالته الصحية والعقلية بعدما تمّت إزاحة “أسد الإرهاب” كما لقّبت أمريكا الأمير بن نايف عن سدّة الحكم ليكون المرشّح القادم دون منازع الأمير الشاب وتعجيل الوصول لتلك المرحلة فهل وصوله إلى هذه النقطة من بُناة أفكاره؟!

لا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية استغلت جشع الأمير الشاب وصكّ القبول الذي رفعت ثمنه والذي قَبِل به الأمير بن سلمان والذي كان بنسف الدين الإسلامي ومعتقداته في أذهان ونفوس الشعب السعودي أولاً والذي سينعكس على عامة المسلمين في أقطار عديدة ثانياً، ولا سيّما تلك التي لا تزال مغيّبة عن المكر والخبث السياسي الذي يدور في أروقة قصور جدة والرياض.

لذا لما التعجّب حينما نرى أن ما تبقى من الدعاة خارج السجن والذين ما فتئوا يبررون ويسوّغون كل صغيرة وكبيرة ل”ولاة الأمر” زجّهم في السجون كالشيخ محمد العريفي وسلمان العودة والأسماء كثيرة والعدد كبير وفي تزايد بشريطة إبقاء من يحتاجون لهم لتلميع كل أفعالهم القادمة وإضافة هالة من الشرعية وخاصة بمكانتهم المرموقة كالقارئ وإمام الحرم المكّي عبدالرحمن السديس والذي أشاد بدور قُطبيّ السلام المتمثل بالمملكة العربية السعودية والولايات الأمريكية في عملية إحقاق السلام والأمن العالمي.

وكأن الشيخ رحمه الله غَفِل عن مئات آلاف الضحايا التي تسببت بها أمريكا من أقصى الشرق لأقصى الغرب فسبحان الله أنصدّقه أم نصدّق نعوم تشوميسكي عالم الصوتيات والمنظّر السياسي اليهودي المخضرم صاحب الجنسية الأمريكية والذي لم يكتب كتاباً بين عشرات الكتب التي قام بتأليفها إلا وقد تحدّث عن عنجهية وظلم وإمبريالية أمريكا اللامحدودة وانتهاكها لأدنى حقوق الإنسان!!

تسامح ديني أم محاولات لتجويف الإسلام من مضمونه؟

لم نكن نسمع إلا بالفتاوي التي تُحرّم تارة وتنهي تارة عن الاحتفال ببداية السنة الهجرية الجديدة من قبل علماء المملكة على أنها بدعة والبدعة ضلالة ولكن أصبحنا الآن نرى احتفالات غنائية راقصة تُقام للاحتفال باليوم الوطني وتقديس الوطنية التي كُفر بها لعقودٍ طويلة فهل كان أصحاب القرار فيما مضى عديمي وطنية أم أنّ الجدد منهم الآن يُحاولون بكل الطرق إشغال العامة بأمورٍ تُبعدهم عن هموم أمتهم ليُصبحوا في بوتقة الأنانية الوطنية بعدما أثبت المجتمع السعودي أنه خزان الجهاد العالمي في مقاومة الاحتلال السوفيتي وبعده الأمريكي في بلدان إسلامية طلبت النُصرة بالمال والنفس والشباب السعودي لبّى!!

ليس هذا الأمر ببعيد عن التواصل مع الفاتيكان وإرسالهم الدعاة للاتفاق مع باباوات الفاتيكان لإعادة مراجعة النصوص والمناهج لمواجهة “الأصولية” أنسوا أن قول الله تعالى:

 وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [سورة البقرة آية 120]

نعم لأجل هذه الآية تم سجن الشيخ عبد العزيز الطريفي منذ العامين ونيف دون تهمة واضحة فالقوم قد قرروا إبقاء الدين للكسب المادي من الحج والعمرة ولتبقى الهيمنة الثقافية على الشعوب فالدين عندهم ليس سوى لِباسٍ يُرتدى حسب المقاس كيفما شاءوا ليُخلع متى شاءوا والله المستعان!

نسأل الله الثبات على الدين القويم ولعلّ الانهيار في اقتراب ملحوظ والقنبلة الموقوتة قد اقترب موعدها فلا ندري هل تتمّ المملكة العربية السعودية قرنها الأول أم لا فالأيام خير شاهد لما قد يحصل.


نُشر هذا المقال على أمّة بوست بواسطة الكاتب: محمد عبد المجيد

454

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن
محمد عبد المجيد

مسلم العقيدة والمنهج، خرّيج دكتور صيدلة، قارئ مهتم في التاريخ والسياسة لمحاولة فهم واقع أمتنا الإسلامية بوعي، أسأل الله أن يستعملني في نصرة دينه

مشاركة