الرئيسية التاريخ الإسلامي كيف خطط الغرب للقضاء على الخلافة الإسلامية .. الجزء الرابع والأخير
كيف خطط الغرب للقضاء على الخلافة الإسلامية .. الجزء الرابع والأخير

كيف خطط الغرب للقضاء على الخلافة الإسلامية .. الجزء الرابع والأخير

532
1

عمر التآمر طويل وسياسة فرّق تسد

إن الضربات المتلاحقة التي وجهت للدولة العثمانية تثبت النوايا الغربية بشكل يلغي الحاجة إلى إثبات أن بريطانيا اشترطت إلغاء منصب الخلافة الإسلامية على الجانب التركي في مؤتمر لوزان سنة 1923، لأن الموقف الغربي عموماً والبريطاني خصوصاً لم يقتصر على لحظة واحدة فقط من التآمر السري على منصب أصبح هزيلاً وشبيهاً بوزارة أوقاف في ظل إعلان قيام الجمهورية التركية، بل كان عداء علنياً لفكرة الخلافة نفسها حتى مع وجود مصلحة في بقائها ضد التوسع الروسي، وقد اتضح ذلك من سياسة الدول الغربية تجاه إضعافها ونهش أطرافها لمدة تزيد على قرن من الزمان أثبتت فيها الحوادث والحروب الكبرى حقيقة النوايا التي اختلفت فيما بينها فقط على طريقة اقتسام الغنائم، التي هي بلادنا، ولم تختلف على فكرة التقسيم ذاتها، وكان هذا هو محتوى “المسألة الشرقية” التي تريد حلاً، أو كما قال مراقب أكاديمي أمريكي هو موريس جاسترو الذي عاصر الحرب الكبرى الأولى وكتب في سنة 1917 أن”الأمم الأوروبية منذ بداية القرن التاسع عشر اجتمعت كالصقور حول الجثة لاقتطاع ما يمكنها من الامبراطورية التركية”، فكان احتلال الجزائر (1830) ضمن هذا الإطار وتبعه احتلال عدن (1839) ثم قبرص والبوسنة والهرسك (1878) ثم احتلال تونس (1881) ثم جاء احتلال مصر (1882) ليكون ضربة قاصمة للعثمانيين، ثم جاء احتلال ليبيا (1911) وتبعه مباشرة حربا البلقان (1912-1913) والتي سلخت جميعها أجزاء كبرى من الدولة بعد قرن من إثارة صربيا (1817) ثم اليونان (1821-1830) ثم بلغاريا (1878).

ويلاحظ المؤرخ جستن مكارثي أن الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر كانت مطوقة بخصوم أقوياء لم يتيحوا لها “فسحة للتنفس” لترتيب بيتها الداخلي ببناء دولة حديثة وجيش قوي واقتصاد صناعي، واضطروها لخوض حروب متتالية في الأعوام التالية كالحرب مع روسيا (1806-1812) والحرب الثانية مع روسيا أيضاً (1828-1829) والحرب مع محمد علي باشا التي أججتها أوروبا ومنعت التفاهم بين طرفيها (1832-1833) و (1839-1840) وحرب القرم مع روسيا (1853-1856) والحرب الرابعة مع روسيا كذلك (1877-1878) والحرب مع اليونان (1897) وحروب البلقان (1911-1913) والحرب الكبرى الأولى (1914-1918) وحرب الاستقلال (1919-1923)، إضافة إلى حوادث العصيان المسلح الكبرى في مصر عام (1804) والانتفاضة الصربية (1815-1817) والثورة اليونانية (1821-1830) والثورة في جزيرة كريت (1866-1868) والثورة في بلغاريا (1875) و (1876) والتمرد الأرمني (1896-1897)، وهلكت الجيوش العثمانية التي كانت في طور التدريب وأُجبرت على خوض الحروب وهي غير مهيأة، وأُنفقت الموارد المالية اللازمة للتحديث على هزائم أدت إلى خسارة الأرض والدخل، فكان الضعف هو سبب خسائر العثمانيين التي أبقتهم أضعف من القدرة على النهوض .

وكانت الاتفاقيات السرية التي قسمت المشرق العربي وبقية الأراضي العثمانية والتي جرت أثناء الحرب الكبرى جهداً واضحاً موجهاً لإنهاء الدولة العثمانية (مثل اتفاقيات سايكس بيكو ولندن والآستانة وغيرها) وتندرج الثورة العربية برعاية بريطانيا (1916) ثم وعد بلفور (1917) ضمن محاولات تحطيمها وتقسيمها أيضاً، ولهذا كانت النهاية المنطقية لكل هذه الجهود السابقة هي القضاء الفعلي على الدولة العثمانية بعد فقدانها مساحاتها الممتدة، ولم يكن انهيارها وليد لحظة تآمر نظري في مؤتمر لوزان، وقد كان إنهاؤها من أبرز “إنجازات” الحرب الكبرى كما صرح بذلك ساسة ومؤرخون من أوروبا وأمريكا ، ويؤكد مصير الشرق العربي بعد الحرب حين اتفقت أوروبا على اقتسام بلادنا وفق اتفاقات التجزئة آنفة الذكر ونكثت بوعود التحرر التي بذلتها للعرب أن عداءها ليس مع كيان سياسي محدد، كما ادعت كذباً لتغوي العرب، بقدر ما هو عداء مع أي وحدة شاملة تلم شعث بلادنا كما أثبتت الأحداث لاسيما برفض الاعتراف بالخلافة العربية التي طالما رعى الغربيون الدعوة إليها، وفي هذا السياق قال ونستون تشرتشل عندما كان وزيراً للمستعمرات سنة 1920 تعليقاً على محاولات التعاون العربي مع الأتراك مرة ثانية لمواجهة غدر الحلفاء، تلك المحاولات التي أقلقت بريطانيا فقال الوزير البريطاني:

هنالك جماعة من العرب تبدي تخوفاً من احتلال (الفرنسيين) سوريا، وهي تميل الآن، ولأول مرة، لضم صفوفها، بطرق مختلفة، إلى الأتراك الوطنيين على أن قضيتهم واحدة مشتركة، وهكذا تتم وحدة بين قوتين كنا نفيد دوماً من انقسامهما لا من وحدتهما

كما ينقل زين زين ، وهكذا أسفر البريطانيون عن حقيقة نواياهم بأنها مجرد الإفادة من الانقسام العربي التركي وليس تحقيق أماني العرب ولهذا احتلوا بلادهم غنيمة بينهم وبين الفرنسيين ولم يحققوا لهم آمالهم، وهذه هي النتيجة المثالية للاستقواء بالأعداء وتمكينهم من الهيمنة على الدار ليقوموا بضرب كل محاولات التوحد والنهوض فيما بعد، وها نحن مازلنا في نتائج تلك الحقبة المريرة إلى اليوم.

الغرب يمنح أرباب التجزئة “انتصارات” منسجمة مع مصالحه لأن طموحاتهم لا تتحدى هذه المصالح بل تخدمها ولا تنهض بالأمة

ولهذا فإن ما قام به مصطفى كمال عندما ألغى السلطنة العثمانية والخلافة الإسلامية يلتقي موضوعيا مع أهداف الحلفاء الغربيين ولم تخرج إنجازاته الجغرافية عما رسمه بلفور أمام الأمريكيين، وما رسمه الرئيس الأمريكي ويلسن الذي صرح في سنة 1912 قبل اندلاع الحرب الكبرى بأنه إذا دخل العالم الحرب فلن يكون هناك وجود للدولة العثمانية ، ثم كرر ذلك في نقاطه “المثالية” الأربعة عشر التي لم تطبق جميعها ولكنها تفصح عن رؤية الولايات المتحدة تجاه تركيا كما جاء في النقطة الثانية عشر التي طبق شطر منها يناسب خطط بريطانيا وفرنسا :

يجب أن يُضمن الاستقلال الثابت لأجزاء الإمبراطورية العثمانية الحالية التي أغلب سكانها من الأتراك، وأما الأقوام الآخرون الخاضعون الآن للحكم التركي فيجب أن يُضمن لهم أمن على حياتهم لا شك فيه، وأن تُعطى لهم فرصة مطلقة لا يجدون فيها ما يعوقهم عن بلوغ استقلالهم، وأما الدردنيل فيجب أن يظل مفتوحاً ويصير ممراً حراً لسفن جميع الأمم وتجارتها في ظل ضمانات دولية

ولقد استقل الأناضول بالفعل واستقلت القوميات غير التركية عن الدولة العثمانية وفتحت المضائق ولكن الانتداب حل بالبلدان غير التركية فلم يكن استقلالها كاملاً وفق البند الأمريكي، وقد أوضح مصطفى كمال للأوروبيين أهدافه بالقول “إنكم تستطيعون أن تنالوا سوريا وبلاد العرب، ولكن كفوا أيديكم عن تركيا، فنحن نطالب بحق كل شعب داخل حدود بلاده الضيقة”  وهو ما يتفق مع المخطط الأوروبي السابق،ولهذا لم يمانع الحلفاء في إلغاء معاهدة سيفر المذلة (1920) بعدما منحهم النظام الكمالي في معاهدة لوزان (1923) الموافقة على تطبيق تلك المعاهدة السابقة على كل البلاد غير التركية وهو ما قامت به الدول الأوروبية بموافقة عصبة الأمم التي جعلت هذه البلدان العثمانية السابقة خاضعة للانتداب، واستثنيت تركيا من ذلك، فكان هذا الاستسلام هو “أهم الانتصارات السياسية” لاتجاه التجزئة القومية ، ولم تمانع أوروبا في المصادقة على ذلك التحجيم الذي “كرس دولياً نهاية السلطنة العثمانية وقيام الجمهورية التركية” الذي حقق حلم القوميين الأتراك وسياسة التتريك التي طبقوها وصار هذا هو الانتصار الكبير للدولة التركية ،  ولكنه لم يكن انتصاراً على الأعداء بل بموافقتهم وتصديقهم وإقرارهم، فقد “أجبرت انتصارات مصطفى كمال –آنذاك- الدول الأوروبية على الاعتراف بأهمية حركة الأناضول، سيما وأن برنامجه استند على أسس قومية وانبثقت عنها مبادئ الميثاق التركي الذي أُعلن في 28 يناير 1920 محدداً أبعاد الدولة سياسياً وجغرافياً، وتنازلها عن كل المناطق المسكونة بأغلبية غير تركية، رفعاً عن كاهلها مشاكل إمبراطورية كاملة، وقد توالت اعترافات الحلفاء بالحركة الكمالية، واعترفت فرنسا رسمياً بحكومة أنقرة، مما أنهى حالة الحرب بين الدولتين، وتجاوبت الدول الأوروبية كلها مع نظرية مصطفى كمال بشأن الإمبراطورية العثمانية،وحمدوا له نظرته المختلفة تماما عمن سبقوه في اعتبار مشاكل الإمبراطورية عبئاً ثقيلاً على كاهل الأتراك ينبغي عليهم أن يتخلصوا منه ليتفرغوا لحركتهم الوطنية القومية” كما تقول الدكتورة تهاني عبد الرحمن:

والغريب أن لا تنصح الإمبراطوريات الغربية أنفسها بنفس النصيحة فتتخلص من الأعباء الإمبراطورية وتتفرغ لشئونها القومية(!)

وقد ظهر هذا الاتفاق بين توجهات الحلفاء وتوجهات أتاتورك أثناء حربه الاستقلالية حين “اتفق مع فرنسا فسحبت جيشها من كيليكيا، واتفق مع الطليان فانسحبوا من الأناضول” فتفرغ لقمع الأكراد فضربهم وأخضعهم بعنف ثم ضرب الأرمن بقساوة وقاد ضدهم حرب إبادة وتهجير وقتل الألوف وهجر الباقين، والغرب الذي تاجر بدمائهم يقف متفرجاً، ولزم الإنجليز الحياد فيما هو يقود جيشه ويدخل إزمير ويحرقها وينكل بأهلها “وبعد أن أتم مصطفى كمال السيطرة على آسيا الصغرى، انتقل إلى اسطنبول وفيها جيش إنكليزي، لكن لم يطلق النار” وفقاً لموسوعة الدكتور أبي فاضل، ويتحدث الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى عن توقيع الفرنسيين اتفاقية أنقرة مع الكماليين في سنة 1921 وتركوا لهم بعدها كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة مما ساعد الأتراك على القتال ضد اليونانيين وأن هذه المعاهدة أكدت توجهات فرنسية سابقة لمساندة الحركة القومية التركية ضمن الصراع بين نفوذ الحلفاء في الأناضول وبموجب ذلك “أقرت فرنسا الميثاق الوطني وتخلت عن معاهدة سيفر وتفرغت بعد ذلك لمواجهة الحركة الوطنية السورية، كما جلا الإيطاليون عن المناطق التي كانوا قد احتلوها في جنوبي الأناضول وإن احتفظوا بجزر الدوديكانيز، وقد تخلوا هم الاخرون للوطنيين عن كميات من الأسلحة مما عزز مركزهم وجعلهم يقررون استكمال تحرير الأناضول وأراضي تركيا الأوروبية” .

وكما سبق ذكره لقد اتفقت توجهات الغرب مع توجهات الحكم الكمالي الذي منح الغربيين كثيراً مما طلبوه فلم يروا تضحية كبرى فيما طلبه لاسيما أنه ينطبق على ما كانوا قد خططوه لمستقبل المنطقة بعد الحرب إذ لم يكن احتلال الأناضول من ضمن أهدافهم بعد تقسيم الشرق العربي والقضاء على الخلافة العثمانية عملياً باحتلال معظم عمقها الجغرافي ولم يتبق سوى الإجهاز الرسمي عليها ، وفي هذا يقول المؤرخ كواترت إن دفاع الأتراك عن موطنهم القومي دفع بريطانيا وفرنسا إلى العدول عن احتلال البلاد بعد أن شعروا بأن ذلك سيكلفهم غالياً، والحق أن القادة الأتراك آنذاك كانوا على استعداد للتفاوض مع الحلفاء حول قضايا معينة مثل:

(1) تسديد الديون التي تراكمت على الدولة العثمانية قبل الحرب

(2) الممرات البحرية التي تصل البحر الأسود ببحر إيجه

(3) التنازل عن سيادتهم على الأقطار العربية، وأخيراً تم الاتفاق بين القوى العظمى والقوميين الأتراك على الإقرار بزوال الإمبراطورية العثمانية الذي أصبح حقيقة واقعة”  .

 

532

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

محمد شعبان صوان باحث وكاتب من فلسطين.
مشاركة