الرئيسية تقارير توصيات مؤتمر هيرتسيليا: كيف تستخدم الحكومة المصرية تنظيم الدولة لصالحها؟
توصيات مؤتمر هيرتسيليا: كيف تستخدم الحكومة المصرية تنظيم الدولة لصالحها؟

توصيات مؤتمر هيرتسيليا: كيف تستخدم الحكومة المصرية تنظيم الدولة لصالحها؟

241
0

 

لفت انتباهي الضجيج الذي أحدثته مؤخرا أصوات موالية لحكومة الانقلاب في مصر، حينما أشهرت مطالبها التي تعكس المخاوف التي تتربص بأرض سيناء الاستراتيجية منذ زمن غير بعيد، لقد بدأنا نسمع عن ضرورة إخلاء شبه الجزيرة الهامة في مصر لأجل أمن مصر!

في الواقع إن التطور الجديد يدفع بالعقلاء للعودة إلى أرشيف الخطط والدراسات التي تناولت مستقبل سيناء، والنظر في أصل هذه المطالبات خاصة عندما يكون الضجيج مرتفعا من حناجر مناصرة لأنظمة وظيفية علاقتها مع “إسرائيل” لا تزال متألقة.

وبين دفاتر المؤتمرات الكثيرة التي أبرمت في ظهر هذه الأمة، وبدون علم أغلب أبنائها، طفا على السطح مؤتمر هرتسيليا السابع عشر الأخير، والذي أجري في الفترة ما بين  20 و 22 حزيران 2017 .  تحت عنوان “ميزان الفرص والمخاطر على دولة “إسرائيل” بمشاركة ما يزيد على مئة وثمانين شخصية سياسية وعسكرية وأمنية، فضلاً عن شخصيات أكاديمية وإعلامية وقانونية من الكيان الصهيوني وخارجه. وبالنظر في ملفات المؤتمر التي تمت مناقشتها، وجدت أبرز ما اختص به المؤتمر ذلك الحديث بحرية عن علاقات التعاون الاستخباراتي والأمني بين الكيان الصهيوني والدول العربية، التي يشير لها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بالدول
“السنية المعتدلة”، ويقصد بها مصر والأردن والسعودية والإمارات، والتي تختص على الأقل بتوافق في الرؤى بين المؤسسة الأمنية والاستراتيجية في الكيان الصهيوني وبين الطبقة السياسية.

ودعونا نتأمل اسم المؤتمر “هرتسيليا”، وهو اسم مستعمرة على الساحل الفلسطيني شمالاً، والتي اقتبس اسمها من المؤسس الأبرز للحركة الصهيونية وأهم دعاتها اليهودي “تيودور هيرتسل”، ما يعكس الأصل الذي بني عليه اسم المؤتمر والذي بلا شك يعد جزء من المشروع الصهيوني الأبشع على أرض المسلمين.

وهكذا بعد سبعين عاما من تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948 قدم القادة الصهاينة شكرهم للقادة العرب الذين باتوا أكثر تعاونا مع كيانهم لنشتم بقوة رائحة التطبيع بين الكيان الصهيوني وبعض الأنظمة العربية وفي مقدمتها السعودية، والذي تجلت ملامحه في عدة مناسبات ليس المقام للتفصيل فيها الآن.

القضايا التي تناولها المؤتمر

ثم لننظر في أول قضية أجمع عليها المتحدثون في المؤتمر، إنها عدم إمكانية إقامة دولة فلسطينية وأن أقصى ما يمكن التوصل إليه هو إقامة كيان أقل من دولة أو حكم ذاتي محدود بحجة أن “إسرائيل” غير مُهيأة لإخلاء أعداد كبيرة من المستوطنين، لا نفسيًا ولا اجتماعيًا ولا اقتصاديًا ولا أمنيًا. وبأن مبدأ الأرض مقابل السلام الذي اعتمدت عليه اتفاقية أوسلو قد ثبت فشله بعد 24 عامًا، وأن البديل هو تبادل السكان والأراضي، وهذا ما يفسر السعي من الجانب الإسرائيلي للتوصل لتسوية إقليمية شاملة وتطبيع كامل وعلني للعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول العربية كمدخل للتوصل لتسوية مع الفلسطينيين، وبالتالي الحصول على شرعية عربية لوجود “إسرائيل” وترسيخ مكانتها الدولية. وكذا التمتع بعمق استراتيجي وتعزيز التعاون الأمني مع الدول العربية والوصول إلى أعمق مما وصلوا إليه إلى حد الآن. دون أن ننسى فرصة إقامة علاقات اقتصادية تزيد من مدخولات “إسرائيل” 45 مليار دولار سنويًا.

ويقدم الكيان الصهيوني بديلا على معادلة “الأرض مقابل السلام” التي وصفها بالفاشلة، معادلة “تبادل الأراضي”، وبمعنى أبسط، الإحالة إلى مخططات “الترانسفير”.

ولا شك أن مخططات “الترانسفير” هي جزء من ملخص خطة رئيس الأمن القومي الصهيوني السابق غيورايلاند أو ما يسمى بـ “فكرة الوطن الفلسطيني البديل” والتي هدفها توطين الفلسطينين في سيناء كوطن بديل وإسقاط شرعية اللاجئين في العودة لبلادهم.

هنا نستخلص من جديد أن مؤتمر هيرتسيليا لم يأت بجديد إنما يعيد إحياء مخططات الصهاينة القديمة بثوب جديد ويمضي في تنفيذ أجنداته في المنطقة مستعينا بالحكومات العربية المتعاونة معه على رأسها حكومة السيسي.

وبالنظر في أحد أهم أهداف حكومة السيسي، الذي هو إطالة أمد سلطانها الطاغي على أرض مصر، فهذا يعني تعاون استراتيجي مستمر مع جارتها وحليفتها ” إسرائيل”، وبالتالي، تبادل المصالح يقضي بقبول التنازل عن سيناء.

دور حكومة السيسي في تمرير المخططات

وإن أقل ما يمكن حكومة السيسي فعله لتحقيق هذا الحلم الصهيوني العتيد،  تعمد إثارة مخاوف الشعب المصري واللعب على أعصابه بوجود تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء والذي يوفر لها أيضا فرصة الابتزاز المتقن للمجتمع الدولي، ما يفتح الباب على مصراعيه لسياسة الاستبداد والقمع للشعب المصري  وتمرير المخططات بالاستغفال من جهة والحصول على الدعم الدولي المستمر إلى أجل غير مسمى من جهة أخرى.

نشاهد بوضوح كيف تبرز حكومة مصر نفسها اليوم كجزء من المنظومة الدولية التي تحارب الإرهاب في العالم، وتحاول الظهور في المحافل الدولية والأحلاف العسكرية وغرف التنسيق الاستخباراتية كرقم مهم لا يستغنى عنه وهو كاف لبقاء حكومة العسكر أطول أمد ممكن.

ولا أشك أن  حكومة السيسي لن تضيع الفرصة في استغلال وجود  تنظيم الدولة في سيناء، لتعميق المخاوف المحلية من جهة ولفرض استراتيجيتها في الابتزاز دوليا ثانيا.

فنلاحظ أن مصر لازالت تختنق من توالي الأزمات الاقتصادية ومن الضغوطات الاجتماعية منذ تولي سلطة الانقلاب الحكم، وفي نفس الوقت لا يصبّ إعلام الحكومة اهتمامه إلا على مقتل الجنود وإصابتهم هنا وهناك.  وهكذا تذوب مطالب الشعب وحنقه في سيل الإرهاب النفسي.

ذلك الإرهاب الذي لن يتوان نظام السيسي بتهويله ببعض الأيدي الاستخباراتية الآثمة وتعميق المخاوف من النهايات على غرار السيناريو العراقي والسوري واليمني، ليستسلم الشعب المصري لمصير سيناء وينظر لها كورم وجب استئصاله أو بتره. ومع اقتراب الانتخابات المصرية في 2018، سيكون السيسي بطلا قوميا للمصريين إذ أنه قضى على الإرهاب وتخلص من تهديد سيناء وأنقذ البلاد وإن مات الناس جوعا وإن حقق للصهاينة الحلم.

استعمال ورقة تنظيم الدولة

لهذا فإنه ليس مستبعدا أن يستعمل النظام المصري ورقة تنظيم الدولة بطريقة  معاكسة لما يظهر للناس الآن، كأن يسمح  لتنظيم الدولة بالصعود في سيناء ولو لفترة زمنية محددة.

ويبدو أن الخطوات من الجانبين تتجه لحصر سيناء بين سندان المخططات الصهيونية وسندان الخيانة من الحكومة المصرية، ما يجعلني أشاهد مستقبلا قاتما لسيناء يقترب.

أهمية الدور الأمريكي في توسع إسرائيل

ولا يفوتني هنا أن أذكر أهمية الدور الأمريكي والتحالف الاستراتيجي مع “إسرائيل” الذي يدفع بتحقيق الكثير من الإنجازات كتعزيز قوة “إسرائيل” ومكانتها الدولية، عدا الدعم العسكري والاقتصادي والغطاء السياسي الذي يمنحها القدرة على تنفيذ مخططاتها وجرائمها والتهرب من المؤسسات القانونية الدولية.

وفي الطرف الثاني مقاومة سنية ضعيفة تتخبط، غير قادرة على التكاتف والتوحد لحفظ البلاد من الخطر المتربص بها من كل جهة.

فلم يبق لنا إلا أن نفضح المخططات ونسقط الأقنعة لعل وعسى أن يأتي الله بمن يرد هذا الكيد ويعيد لأمة الإسلام الحرية والمجد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

241

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

د. ليلى حمدان كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي كتابان حتى الآن (نجوم على الطريق وصفحات من دفتر الالتزام).
مشاركة