الرئيسية تقارير عبودية الديمقراطية وبداية الزلل
عبودية الديمقراطية وبداية الزلل

عبودية الديمقراطية وبداية الزلل

429
0

بعد أن وجدنا أننا فقدنا الاتجاه الصحيح تمامًا بسلوك المسلك الديمقراطي، فلنرى ما أدت إليه هذه التنازلات

عبودية الديمقراطية وبداية الزلل

صدَّر الغرب الديمقراطية إلى العالم الإسلامي لا لتكون بديلًا عن الديكتاتورية، بل لتكون بديلًا عن الإسلام. لذا فهي ديمقراطية مشروطة بألا توصل الإسلاميين إلى الحكم، بل هذا هدفها.
وقد كان من أكبر الأخطاء التي وقع فيها بعض الإسلاميين في أيامنا هذه الغفلةُ عن هذه الحقائق وتوهم أن الجاهلية تهادنهم إذا هادنوها، ونسوا قول الله تعالى:

وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ

التنازل الأول والأكثر خطورة:

الانخراط في اللعبة الديمقراطية التي تجعل التشريع لغير الله

في دين الله تعالى

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا

إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ

وفي دين الديمقراطية

“إذا قضى الله ورسوله أمرا فيعرض هذا الأمر على البرلمان ليختار، وإذا عصى البرلمان الله ورسوله فرأيه محترم لأنه يمثل الأغلبية”

“إن الحكم إلا للبرلمان، يحكم حتى على حكم الله”

القسم على احترام الدستور الوضعي

“أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصاً على سلامة الوطن والنظام الجمهوري، وأن أرعى مصالح الشعب، وأن أحترم الدستور والقانون”

قسمٌ بالله على احترام دين غير دين الله! قسم بالله على احترام اشتراك بشر مع الله في صفة من صفات ألوهيته وربوبيته، وهي التشريع ووجوبُ الطاعة لهذا التشريع.

المادة الثالثة

(السيادة للشعب وحده وهو مصدر السلطات –أي السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية)

هذه المادة تأكيد على أن السيادة ليست للشرع والخضوعَ ليس لله، بل الشعب هو الذي يشرع لنفسه.

مــــــادة 24:

(تصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب)

هذه المواد هي هي أركان دين الديمقراطية المصادم لدين الله تعالى القائل:

ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ

لذلك: فتحكيم الشعب والبرلمان هو اتباع لأهواء البشر الذين إن انقطعوا عن الوحي فهم لا يعلمون.

جدلية المادة الثانية

وإذا ما اعترض قائل إن المادة الثانية تضمن إقامة الشريعة فبعيدًا عن هلاميتها فإن الدستور لا يعرضها كحكم الله بل لموافقة الشعب عليها، وهذا ليس من الإسلام في شيء، بل هو تأليه للبشر بجعلهم حكامًا على شريعة رب البشر متحكمين بها. وإذا خالف حكم من أحكام الشريعة مبدأً من مبادئ الدستور كسيادة الشعب وحرية الردة وولاية الكافر وغيرها، فما الحل؟

الحل أن يرد حكم الله ويُعمل بحكم الدستور، إذ لا يجوز عندهم أن يُعمل بحكم الله في هذه الحالة “كبرت كلمة تخرج من أفواههم

ملخص القول:

إن الشريعة الإسلامية في الدستور المصري ليست حاكمة بل هي محكومة.

الأعذار التي يلتمسونهـا للقسم على احترام غير دين الله عز وجل

العذر الأول:

أن يقول عقب قسمه:

فيما لا يخالف شرع الله!

فكأنه يقول: أقسم بالله العظيم أن أحترم جعل التشريع للناس من دون الله العظيم بما لا يخالف شرع الله! فمثل هذا القسم تمييع لمفهوم أن الدستور يصادم الشريعة مصادمة كاملة كلية جذرية. المسألة ليست أنه يحتوي مخالفات، بل هو المخالفة ذاتها.

العذر الثاني:

أن البرلماني يغير نية القسم في قلبه:

  • فمنهم من قال: أنه ينوي احترام المادة الثانية-وقد بينا أنها محض زخرف من القول-
  • ومنهم من ينوي احترام القرآن الذي هو دستور المسلمين، متغاضين عن التلبيس الحاصل للناس في أخطر قضاياهم وهي العبودية.

هل يُتصور إقامة الإسلام بالقسم على إضفاء صفة من صفات الربوبية على البشر؟! تعالوا نتذاكر قول الله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم:

“وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَخَذُوكَ خَلِيلاً ﴿73﴾وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴿74﴾إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً”

طلبت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أن يُظهر شيئًا من الاحترام لأصنامهم دون العبادة، ليدخلوا الإسلام، قالوا:

(يا محمد تعال فاستلم آلهتنا وندخل معك في دينك)

وذهب عدد من أهل العلم أنه عليه الصلاة والسلام لم يقع منه حتى مقاربة الميل لتلبية طلبهم، وذلك بتثبيت الله له. إلا أن الله تعالى بين أنه لو وقع منه عليه السلام ركون قليل لطلبهم لعذبه عذاب الضعف في الحياة وعند الممات!

﴿إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾

إن إقامة الشرع بحد ذاته لا يعتبر غاية قصوى، بل هو وسيلة لتحقيق العبودية لله عز وجلّ، وحين تخلو إقامة الشريعة من هذا الهدف فلا قيمة لها عند الله عز وجل.

الأضرار العقدية التي نتجت عن الأخطاء السياسية

أُشرب كثير من المسلمين المبادئ الديمقراطية في قلبه وأصبح ينادي بها ويدافع عنها، مع أن قوى الغرب وعملاءهم فشلوا عبر عقود في ترويجها فكان حصان طروادة الذي روجها في النهاية هم بعض “الإسلاميين” أنفسهم.

من هذه المبادئ التي راجت

  • أن الشعب هو صاحب السلطة التشريعية له الحق أن يشرع ما يشاء
  • وإن صادم الشريعة، فالحق ما أحقه الشعب والباطل ما أبطله.

ضياع عقيدة الولاء والبراء

  • والتسويةُ بين المسلم والكافر على أساس المواطنة حتى فيما فرق الشرع فيه من حيث المعاملات.
  • وضع الإسلام على قدم المساواة مع الأديان الأخرى والمناهج الوضعية، فتميعت في النفوس حقيقة أن الإسلام هو الحق المطلق وما دونه ضلال.

جعلت كثيرًا من المنتسبين إلى الإسلام يسوغون الحكم بغير ما أنزل الله ويصفونه بالعقلانية، ويقبلون الاحتكام للقوانين الوضعية، ويرون شرع الله غير صالح لتطبيق في بعض الأمكنة؛ فضاع معنى العبودية لله وضاعت قضية أن الحكم لله

من هذه الآثار 

  • أنهم أضفوا “شرعية” في عيون الناس على الأنظمة الجاهلية بعدما تزلزلت أركانها، فأعطت لهذه الأنظمة قبلة الحياة.
  • تبرير التفلت من أوامر الله عز وجل ونواهيه تحت مسمى التدرج، بحيث أصبح التدرج شعارًا فكريًا يُنادَى به وتُبرَّر به الممارسات على مستوى المؤسسة والعائلة، بل والفرد، وهذا من أخطر الآثار.
  • روجت للانهزامية النفسية، بحيث يُحسب ألف حساب للنصارى في بلاد المسلمين، وللعلمانيين، والتفكير في رضاهم كوسواس قهري يحكم التصرفات والتصريحات، ويُلتمس رضاهم أكثر مما يُلتمس رضا الله عز وجل.

هذه الآثار الكارثية لو مُزج أي منها ببحر من المصالح لأفسده، هذه الآثار يمكن تلخيصها بكلمتين:

“ضياع الدين”

عوامل تسهم في التلبيس على الناس

وقد اجتمع على الناس ثلاثة عوامل تسهم كلها في التلبيس عليهم في أمور دينهم:

  • الممارسات الخاطئة.
  • ودعوة المشايخ إلى انتخاب من يمارسونها.
  • ثم في المقابل عدم إنكار المشايخ لهذه الممارسات الحديثة.

لهذا نوجه لهؤلاء العلماء كلمات قالها المقدم-الصامت الآن-:

التقية في قضايا العقيدة والقضايا الجوهرية يترتب عليها تلبيس الحق على جماهير الناس. والتنازل عن أي قضية من حقائق الدين أو تلبيسُها بما يخالف مفاهيم الدين جريمة كبرى وانحراف خطير يمس بأصل الدين.

وكلمات للشاذلي-الصامت الآن-:

إن شرط أي تحرك سياسي ألا يكون على حساب الوضوح العقدي ولا على حساب بيانه بل ورفع اللبس فيه.

سد ذرائع شرك التشريع أولى

ونقول للعلماء والدعاة:

لئن كنتم تحرمون أقوالًا وأفعالًا هي ذريعة للحرام فكيف بالحرام ذاته؟! أيهما أقرب للشرك وأولى أن يُنكر سدًا للذريعة؟

تسمية السيد رَبًّا مع سلامة القصد، أم عبارة: (السيادة للشعب وحده والشعب مصدر السلطات جميعها)، والتي تعني ربوبية التشريع بالقصد الفاسد الذي يُكرَّس في نفوس الناس؟

خلاصة الأمر

إن سالكي المسار الديمقراطي لم يفشلوا في سد الذرائع إلى شرك التشريع فحسب بل صرحوا تصريحات فيها شرك تشريع واضح وفيها تسويغ للحكم بغير ما أنزل الله ثم هذه التصريحات تطبق على أرض الواقع. فليست مشكلتنا أنهم قالوا: ما شاء الله وشاء الشعب، بل قالوا: ما شاء الشعب وحده.

ثم لم يكن هذا سوء تعبير جبَرَه الواقع، بل قناعة آتت ثمارها الخبيثة في مفاهيم الناس وفي منظومة الحكم والتشريع.

الآثار الفاسدة لمفهوم سيادة الشعب

من أخطر آثاره:

إبطال شرائع الإسلام كجهاد الطلب؛ فما المبرر للفتوحات الإسلامية إن كان فيها خروج على إرادة وسيادة الشعوب الرافضة للإسلام وأداء الجزية؟!

وكيف يمكن التوفيق بين: “ويكون الدين كله لله” واحترام سيادة هذه الشعوب وإرادتها وديمقراطيتها؟!

وعلى هذا المفهوم، فمحاربة أبي بكر لمانعي الزكاة والمرتدين كانت–في دين سيادة الشعب-انقلابًا على الشرعية الشعبية وردة عن الحرية وكذلك الديمقراطية. فهذه بعضُ لوازم سيادة الشريعة!

في النهاية

إن تعظيم الشريعة في نفوسنا هو أهم أهدافنا… بغض النظر قامت دولة الإسلام في زماننا أو لم تقم، أن نلقى الله بقلب سليم ليس فيه شائبة تجاه شريعته تعالى الذي تعبدنا بالإيمان بها وحبها وفهمها والقناعة بكل تفاصيلها.

المصادر:

أفكار هذا التقرير مستقاة مما جاء في بعض حلقات سلسلة نصرة للشريعة، د. إياد قنيبي

 

429

ادعمنا للاستمرار في مهمتنا لصناعة الوعي وتحرير العقول، تبرع الآن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن أمة بوست

خديجة يوسف كاتبة مهتمة بالشـأن الإسلامي.
مشاركة